تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا ، سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان . ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ، ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب . ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار . يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار . ومن يولهم يومئذ
شرح
وأن ينتصب بيثبت ( أنى معكم ) مفعول يوحى . وقرئ إني بالكسر على إرادة القول ، أو على إجراء يوحى مجرى يقول كقوله - إني ممدكم - والمعنى : إني معينكم على التثبيت فثبتوهم ، وقوله ( سألقى - فاضربوا ) يجوز أن يكون تفسيرا لقوله - إني معكم فثبتوا - أو لا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة ، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم واجتماعهما غاية النصرة ، ويجوز أن يكون غير تفسير وأن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال ، وأن يظهروا ما يتيقنون به أنهم ممدون بالملائكة . وقيل كان الملك يتشبه بالرجل الذي يعرفون وجهه فيأتي فيقول : إني سمعت المشركين يقولون : والله لئن حملوا علينا لننكشفن ويمشى بين الصفين فيقول : أبشروا فإن الله ناصركم لأنكم تعبدونه وهؤلاء لا يعبدونه . وقرئ الرعب بالتثقيل ( فوق الأعناق ) أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل ، فكان إيقاع الضرب فيها حزا وتطييرا للرؤوس ، وقيل أراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق : يعنى ضرب الهام ، قال : * وأضرب هامة البطل المشيح * غشيته وهو في جأواء باسلة * عضبا أصاب سواء الرأس فانفلقا والبنا : الأصابع يريد الأطراف ، والمعنى : فاضربوا المقاتل والشوى ، لأن الضرب إما وقع على مقتل أو غير مقتل ، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معا ، ويجوز أن يكون قوله - سألقى ، إلى قوله : كل بنان - عقيب قوله - فثبتوا الذين آمنوا - تلقينا للملائكة ما يثبتونهم به كأنه قال : قولوا لهم قولي - سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب - أو كأنهم قالوا : كيف نثبتهم ؟ فقيل : قولوا لهم سألقى : فالضاربون على هذا هم المؤمنون ( ذلك ) إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العجل ، ومحله الرفع على الابتداء و ( بأنهم ) خبره : أي ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقهم ، والمشاقة مشتقة من الشق ، لأن كلا المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه . وسئلت في المنام عن اشتقاق المعاداة فقلت : لأن هذا في عدوة وذاك في عدوة ، كما قيل المخاصمة والمشاقة ، لأن هذا في خصم : أي في جانب وذاك في خصم ، وهذا في شق وذاك في شق ، والكاف في ذلك لخطاب الرسول عليه الصلاة والسلام أو لخطاب كل واحد ، وفى ( ذلكم ) للكفرة على طريقة الالتفات ومحل ذلكم الرفع على ذلكم العقاب ، أو العقاب ذلكم ( فذوقوه ) ويجوز أن يكون نصبا على عليكم ذلكم فذوقوه كقولك : زيدا فاضربه ( وأن للكافرين ) عطف على ذلكم في وجهيه ، أو نصب على أن الواو بمعنى مع . والمعنى : ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة فوضع الظاهر موضع الضمير ، وقرأ الحسن وإن للكافرين بالكسر ( زحفا ) حال من الذين كفروا ، والزحف : الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف : أي يدب دبيبا ، من زحف