ويقطع دابر الكافرين . ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون . إذ تستغيثون
ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين .
شرح
الشوكة ، وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة ، وبما قضى من أسرهم وقتلهم وطرحهم في قليب بدر . والدابر الآخر
فاعل من دبر إذا أدبر ومنه دابرة الطائر ، وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال : يعنى أنكم تريدون الفائدة العاجلة
وسفساف الأمور ، وأن لا تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم وأحوالكم ، والله عز وجل يريد معاني الأمور وما يرجع
إلى عمارة الدين ونصرة الحق وعلو الكلمة والفوز في الدارين ، وشتان ما بين المرادين ، ولذلك اختار لكم الطائفة
ذات الشوكة وكسر قوتهم بضعفكم وغلب كثرتهم بقتلكم وأعزكم وأذلهم وحصل لكم مالا تعارض أدناه العير وما
فيها . وقرئ بكلمته على التوحيد . فإن قلت : بم يتعلق قوله ( ليحق الحق ) ؟ قلت : بمحذوف تقديره : ليحق
الحق ويبطل الباطل ، فعل ذلك ما فعله إلا لهما ، وهو إثبات الإسلام وإظهاره وإبطال الكفر ومحقه . فإن قلت :
أليس هذا تكريرا ؟ قلت : لا لأن المعنيين متباينان ، وذلك أن الأول تمييز بين الإرادتين وهذا بيان لغرضه فيما
فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرتهم عليها ، وأنه ما نصرهم ولا خذل أولئك إلا لهذا الغرض الذي
هو سيد الأغراض ، ويجب أن يقدر المحذوف متأخرا حتى يفيد معنى الاختصاص فينطبق عليه المعنى ، وقيل قد
تعلق بيقطع . فإن قلت : بم يتعلق ( إذ تستغيثون ) ؟ قلت : هو بدل من إذ يعدكم ، وقيل بقوله - ليحق الحق
ويبطل الباطل - واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لابد من القتال طفقوا يدعون الله ويقولون : أي ربنا انصرنا على
عدوك يا غياث المستغيثين أغثنا . وعن عمر رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى المشركين وهم
ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه
العصابة لا تعبد في الأرض ، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه ، فأخذه أبو بكر رضي الله عنه فألقاه على منكبه
والتزمه من ورائه وقال : يا نبي الله كفاك منا شدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك " ( أنى ممدكم ) أصله بأني ممدكم
فحذف الجار وسلط عليه استجاب فنصب محله . وعن أبي عمرو أنه قرأ : إني ممدكم بالكسر على إرادة القول ، أو
على إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من القول . فإن قلت : هل قاتلت الملائكة يوم بدر ؟ قلت :
اختلف فيه فقيل نزل جبريل في يوم بدر في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر ، وميكائل في خمسمائة على
الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صور الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض وقد أرخوا أذنابها بين أكتافهم
فقاتلت . وقيل قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين . وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود : من أين
كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصا ؟ قال : من الملائكة ، فقال أبو جهل : هم غلبونا لا أنتم .
وروى أن رجلا من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه ، فنظر
إلى المشرك قد خر مستلقيا وشق وجهه ، فحدث الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقت ذاك من مدد
السماء . وعن أبي داود المازني : تبعت رجلا من المشركين لأضر به يوم بدر فوقع رأيه بين يدي قبل أن يصل
إليه سيفي . وقيل لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين ، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل
الدنيا كلهم ، فإن جبريل عليه السلام أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط ، وأهلك بلاد ثمود قوم صالح