تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام . إذ يوحى ربك إلى الملائكة
شرح
النعاس والضمير لله عز وجل و ( أمنة ) مفعول له . فإن قلت : أما وجب أن يكون فاعل الفعل المعلل والعلة واحدا ؟ قلت : بلى ولكن لما كان معنى يغشاكم النعاس تنعسون انتصب أمنة على أن النعاس والأمنة لهم . والمعنى : إذ تنعسون أمنة بمعنى أمنا : أي لأمنكم و ( منه ) صفة لها : أي أمنة حاصلة لكم من الله عز وجل . فإن قلت : فعلى غير هذه القراءة ؟ قلت : يجوز أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان : أي ينعسكم إيمانا منه ، أو على - يغشيكم النعاس - فتنعسون أمنا . فإن قلت : هل يجوز أن ينتصب على أن الأمنة للنعاس الذي هو فاعل يغشاكم : أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازى وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة ، أو على أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم ، وإنما غشيكم أمنة حاصلة من الله لولاها لم يغشكم على طريقة التمثيل والتخييل . قلت : لا تبعد فصاحة القرآن عن احتماله وله فيه نظائر وقد ألم به من قال : يهاب النوم أن يغشى عيونا * تهابك فهو نفار شرود وقرئ أمنة بسكون الميم ، ونظير أمن أمنة حيى حياة ، ونحو أمن أمنة رحم رحمة . والمعنى : أن ما كان بهم من الخوف كان يمنعهم من النوم ، فلما طمأن الله قلوبهم وأمنهم رقدوا . وعن ابن عباس رضي الله عنه : النعاس في القتال أمنة من الله ، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان ( وينزل ) قرئ بالتخفيف والتثقيل . وقرأ الشعبي : ما ليطهركم به ، قال ابن جنى : ما موصولة وصلتها حرف الجر بما جره فكأنه قال : ما للطهور و ( رجز الشيطان ) وسوسته إليهم وتخويفه إياهم من العطش ، وقيل الجنابة لأنها من تخييله . وقرئ رجس الشيطان ، وذلك أن إبليس تمثل لهم وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء ونزل المسلمون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء وناموا ، فاحتلم أكثرهم ، فقال لهم : أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة وقد عطشتم ، ولو كنتم على حق ما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش ، فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة ، فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا ، فأنزل الله عز وجل المطر فمطر واليلا حتى جرى الوادي ، واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الحياض على عدوة الوادي ، وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضئوا ، تلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدو حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت وسوسة الشيطان وطابت النفوس . والضمير في به للماء ويجوز أن يكون للربط ، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر والجراءة ثبتت القدم في مواطن القتال ( إذ يوحى ) يجوز أن يكون بدلا ثالثا من إذ يعدكم
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 147 | الزمخشري