قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين . سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون
في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه
سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها
غافلين . والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا
ما كانوا يعملون . واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا )
شرح
أولي العزم من الرسل ( يأخذوا بأحسنها ) أط فيها ما هو حسن وأحسن كالإقتصاص والعفو والانتصار والصبر ،
فمرهم أن يحملوا على أنفسهم في الأخذ بما هو أدخل في الحسن وأكثر للصواب كقوله تعالى - واتبعوا أحسن
ما أنزل إليكم من ربكم - وقيل يأخذوا بما هو واجب أو ندب لأنه أحسن من المباح ، ويجوز أن يراد يأخذوا بما
أمروا به دون ما نهوا عنه على قولك : الصيف أحر من الشتاء ( سأريكم دار الفاسقين ) يريد دار فرعون وقومه وهي
مصر كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم لتعتبروا ، فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم . وقيل منازل
عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممركم عليها في أسفاركم ، وقيل دار الفاسقين نار جهنم ، وقرأ
الحسن سأوريكم وهي لغة فاشية بالحجاز ، يقال أورني كذا وأوريته ووجهه أن تكون من أوريت الزند كأن
المعنى : بينه لي وأثره لأستبينه . وقرئ سأورثكم وهي قراءة حسنة يصححها قوله - وأورثنا القوم الذين كانوا
يستضعفون - ( سأصرف عن آياتي ) بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها غفلة
وانهماكا فيما يشغلهم عنها من شهواتهم . وعن الفضيل بن عياض ذكر لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا
عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام ، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي "
وقيل سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون أن يبطل آية موسى بأن جمع السحرة ، فأبى الله إلا علو
الحق وانتكاس الباطل . ويجوز سأصرفهم عنها وعن الطعن فيها والاستهانة بها وتسميتها سحرا بإهلاكهم . وفيه إنذار
للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن الآيات لتكبرهم وكفرهم بها لئلا يكونوا مثلهم فيسلك بهم سبيلهم ( بغير
الحق ) فيه وجهان : أن يكون حالا بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبر بالحق لله وحده ، وأن يكون صلة لفعل
التكبر : أي يتكبرون بما ليس بحق وما هم عليه من دينهم ( وإن يروا كل آية ) من الآيات المنزلة عليهم ( لا يؤمنوا
بها ) وقرأ مالك بن دينار وإن يروا بضم الياء . وقرئ سبيل الرشد والرشد والرشاد كقولهم السقم والسقم والسقام .
وما أسفه من ركب المفازة فإن رأى طريقا مستقيما أعرض عنه وتركه ، وإن رأى معتسفا مرديا أخذ فيه وسلكه ،
ففاعل نحو ذلك في دينه أسفه ( ذلك ) في محل الرفع أو النصب على معنى ذلك الصرف بسبب تكذيبهم أو صرفهم
الله ذلك الصرف بسببه ( ولقاء الآخرة ) يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به : أي ولقائهم الآخرة
ومشاهدتهم أحوالها ومن إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى : ولقاء ما وعد الله في الآخرة ( من بعده ) من بعد فراقه
إياهم إلى الطور . فإن قلت : لم قيل واتخذ قوم موسى عجلا والمتخذ هو السامري ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما
أن ينسب الفعل إليهم لأن رجلا منهم باشره ووجد فيما بين ظهرانيهم كما يقال بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا والقائل