تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين . سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين . والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون . واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا )
شرح
أولي العزم من الرسل ( يأخذوا بأحسنها ) أط فيها ما هو حسن وأحسن كالإقتصاص والعفو والانتصار والصبر ، فمرهم أن يحملوا على أنفسهم في الأخذ بما هو أدخل في الحسن وأكثر للصواب كقوله تعالى - واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم - وقيل يأخذوا بما هو واجب أو ندب لأنه أحسن من المباح ، ويجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه على قولك : الصيف أحر من الشتاء ( سأريكم دار الفاسقين ) يريد دار فرعون وقومه وهي مصر كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم لتعتبروا ، فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم . وقيل منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممركم عليها في أسفاركم ، وقيل دار الفاسقين نار جهنم ، وقرأ الحسن سأوريكم وهي لغة فاشية بالحجاز ، يقال أورني كذا وأوريته ووجهه أن تكون من أوريت الزند كأن المعنى : بينه لي وأثره لأستبينه . وقرئ سأورثكم وهي قراءة حسنة يصححها قوله - وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون - ( سأصرف عن آياتي ) بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها غفلة وانهماكا فيما يشغلهم عنها من شهواتهم . وعن الفضيل بن عياض ذكر لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام ، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي " وقيل سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون أن يبطل آية موسى بأن جمع السحرة ، فأبى الله إلا علو الحق وانتكاس الباطل . ويجوز سأصرفهم عنها وعن الطعن فيها والاستهانة بها وتسميتها سحرا بإهلاكهم . وفيه إنذار للمخاطبين من عاقبة الذين يصرفون عن الآيات لتكبرهم وكفرهم بها لئلا يكونوا مثلهم فيسلك بهم سبيلهم ( بغير الحق ) فيه وجهان : أن يكون حالا بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبر بالحق لله وحده ، وأن يكون صلة لفعل التكبر : أي يتكبرون بما ليس بحق وما هم عليه من دينهم ( وإن يروا كل آية ) من الآيات المنزلة عليهم ( لا يؤمنوا بها ) وقرأ مالك بن دينار وإن يروا بضم الياء . وقرئ سبيل الرشد والرشد والرشاد كقولهم السقم والسقم والسقام . وما أسفه من ركب المفازة فإن رأى طريقا مستقيما أعرض عنه وتركه ، وإن رأى معتسفا مرديا أخذ فيه وسلكه ، ففاعل نحو ذلك في دينه أسفه ( ذلك ) في محل الرفع أو النصب على معنى ذلك الصرف بسبب تكذيبهم أو صرفهم الله ذلك الصرف بسببه ( ولقاء الآخرة ) يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به : أي ولقائهم الآخرة ومشاهدتهم أحوالها ومن إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى : ولقاء ما وعد الله في الآخرة ( من بعده ) من بعد فراقه إياهم إلى الطور . فإن قلت : لم قيل واتخذ قوم موسى عجلا والمتخذ هو السامري ؟ قلت : فيه وجهان : أحدهما أن ينسب الفعل إليهم لأن رجلا منهم باشره ووجد فيما بين ظهرانيهم كما يقال بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا والقائل