وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا
يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين . قال رب اغفر لي
ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين . إن الذين اتخذوا العجل سينالهم
غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ، وكذلك نجزي
شرح
قوله خلفتموني ؟ قلت : معناه : من بعد ما رأيتم من توحيد الله ونفي الشركاء عنه وإخلاص العبادة له ، أو من بعد
ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد وأكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر حين قالوا - اجعل لنا
إلها كما لهم آلهة - ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده ولا يخالفوه ونحوه - فخلف من بعدهم
خلف - أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة . يقال عجل من الأمر : إذا تركه غير تام ، ونقيضه تم
عليه وأعجله عنه غيره ، ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال : عجلت الأمر . والمعنى : أعجلتم عن أمر
ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ، فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم ،
فحدثتم أنفسكم بموتي فغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم . وروى أن السامري قال لهم حين أخرج لهم العجل وقال :
هذا إلهكم وإله موسى ، إن موسى لن يرجع وإنه قد مات . وروى أنهم عدوا عشرين يوما بلياليها فجعلوها
أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا ( وألقى الألواح ) وطرحها لما لحقه من فرط الدهس وشدة الضجر عند استماعه حديث
العجل غضبا لله وحمية لدينه ، وكان في نفسه حديدا شديد الغضب ، وكان هارون ألين منه جانبا ولذلك كان أحب
إلى بني إسرائيل من موسى . وروى أن التوراة كانت سبعة أسباع ، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة
أسباعها وبقي منها سبع واحد ، وكان فيما رفع تفصيل كل شئ وفيما بقي الهدى والرحمة ( وأخذ برأس أخيه ) أي
بشعر رأسه ( يجره إليه ) بذؤابته وذلك لشدة ما ورد عليه من الأمر الذي استفزه وذهب بفطنته وظنا بأخيه أنه
فرط في الكف ( ابن أم ) قرئ بالفتح تشبيها بخمسة عشر ، وبالكسر على طرح ياء الإضافة ، وابن أمي بالياء
وابن إم بكسر الهمزة والميم . وقيل كان أخاه لأبيه وأمه ، فإن صح فإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أنهما من بطن
واحد ، . وذلك أدعى إلى العطف والرقة وأعظم للحق الواجب ، ولأنها كانت مؤمنة فاعتد بنسبها ، ولأنها هي التي
قاست فيه المخاوف والشدائد فذكره بحقها ( إن القوم استضعفوني ) يعني إنه لم يأل جهدا في كفهم بالوعظ والإنذار
وبما بلغته طاقته من بذل القوة في مضادتهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلا أن يقتلوه ( فلا تشمت بي الأعداء )
فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة إلي . وقرئ فلا يشمت بي الأعداء على نهي الأعداء عن
الشماتة ، والمراد أنه لا يحل به ما يشمتون به لأجله ( ولا تجعلني مع القوم الظالمين ) ولا تجعلني في موجدتك علي
وعقوبتك لي قرينا لهم وصاحبا ، أو ولا تعتقد أني واحد من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم لما اعتذر إليه
أخوه وذكر له شماتة الأعداء ( قال رب اغفر لي ولأخي ) ليرضى أخاه ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه فلا تتم لهم
شماتتهم ، واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه ولأخيه إن عسى فرط في حسن الخلافة وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته
ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة ( غضب من ربهم وذلة ) الغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم ، والذلة