( جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين .
ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا
لنكونن من الخاسرين . ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني
من بعدي أعجلتم أمر ربكم
شرح
والفاعل واحد ، ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به فكأنهم أجمعوا عليه . والثاني أن يراد واتخذوه إلها وعبدوه
وقرئ من حليهم بضم الحاء والتشديد جمع حلى كثدي وثدى ، ومن حليهم بالكسر للاتباع كدلى ، ومن حليهم
على التوحيد ، والحلي اسم لما يتحسن به من الذهب والفضة . فإن قلت : لم قال من حليهم ولم يكن الحلي لهم إنما
كانت عواري في أيديهم ؟ قلت : الإضافة تكون بأدنى ملابسة وكونها عواري في أيديهم كفى به ملابسة على أنهم
قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من أملاكهم ، ألا ترى إلى قوله عز وعلا - فأخرجناهم من جنات
وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل - ( جسدا ) بدنا ذا لحم كسائر الأجساد . والخوار
صوت البقر . قال الحسن : إن السامري قبض قبضة من تراب من أثر فرس جبريل عليه السلام يوم قطع البحر
فقذفه في في العجل فكان عجلا له خوار . وقرأ علي رضي الله عنه جؤار بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح ،
وانتصاب جسدا على البدل من عجلا ( ألم يروا ) حين اتخذوه إلها أنه لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل حتى
لا يختاروه على من لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفذ كلماته ، وهو الذي هدى الخلق إلى سبيل
الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل في كتبه ، ثم ابتدأ فقال ( اتخذوه ) أي أقدموا على ما أقدموا
عليه من الأمر المنكر ( وكانوا ظالمين ) واضعين كل شئ في غير موضعه ، فلم يكن اتخاذ العجل بدعا منهم ولا
أول مناكيرهم ( ولما سقط في أيديهم ) ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل ، لأن من شأن من اشتد ندمه
وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها لأن فاقده وقع فيها ، وسقط مسند إلى في أيديهم وهو من باب
الكناية . وقرأ أبو السميفع سقط في أيديهم على تسمية الفاعل : أي وقع العض فيها . وقال الزجاج : معناه سقط
الندم في أيديهم : أي في قلوبهم وأنفسهم كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان محالا أن يكون في اليد تشبيها
لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين ( ورأوا أنهم قد ضلوا ) وتبينوا ضلالهم تبينا
كأنهم أبصروه بعيونهم . وقرئ لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا بالتاء وربنا بالنصب على النداء ، وهذا كلام التائبين
كما قال آدم وحواء عليهما السلام - وإن لم تغفر لنا وترحمنا - الأسف : الشديد الغضب - فلما آسفونا انتقمنا منهم -
وقيل هو الحزين ( خلفتموني ) قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي ، وهذا الخطاب إما أن يكون لعبدة العجل من
السامري وأشياعه ، أو لوجوه بني إسرائيل وهم هارون عليه السلام والمؤمنون معه ، ويدل عليه قوله - اخلفني
في قومي - والمعنى : بئس ما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله ، أو حيث لم تكفوا من عبد غير الله . فإن
قلت : أين ما تقتضيه بئس من الفاعل والمخصوص بالذم ؟ قلت : الفاعل مضمر يفسره ما خلفتموني ، والمخصوص
بالذم محذوف تقديره : بئس خلافة خلفتمونيها من بعد خلافتكم . فإن قلت : أي معنى لقوله ( من بعدي ) بعد