إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين .
وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وامر
شرح
ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات أشياخهم والقول ما قال بعض العدلية فيهم :
لجماعة سموا هواهم سنة * وجماعة هم لعمري موكفه
قد شبهوه بخلقه وتخوفوا * شنع الورى فتستروا بالبلكفه
وتفسير آخر وهو أن يريد بقوله أرني أنظر إليك : عرفني نفسك تعريفا واضحا جليا كأنها إراءة في جلائها
بآية مثل آيات القيامة التي تضطر الخلق إلى معرفتك ، انظر إليك : أعرفك معرفة اضطرار كأني أنظر إليك كما جاء
في الحديث " سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر " . بمعنى ستعرفوه معرفة جلية هي في الجلاء كإبصاركم القمر
إذا امتلأ واستوى ( قال لن تراني ) أي لن تطيق معرفتي على هذه الطريقة ولن تحتمل قوتك تلك الآية المضطرة ،
ولكن انظر إلى الجبل فإني أورد عليه وأظهر له آية من تلك الآيات ، فإن ثبت لتجليها واستقر مكانه ولم يتضعضع
فسوف تثبت لها وتطيقها ( فلما تجلى ربه للجبل ) فلما ظهرت له آية من آيات قدرته وعظمته " جعله دكا وخر
موسى صعقا " لعكم ما رأى " فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك " مما اقترحت وتجاسرت " وأنا أول المؤمنين "
بعظمتك وجلالك وإن شيئا لا يقوم لبطشك وبأسك ( اصطفيتك على الناس ) اخترتك على أهل زمانك وآثرتك
عليهم ( برسالاتي ) وهي أسفار التوراة ( وبكلامي ) وبتكليمي إياك ( فخذ ما آتيتك ) ما أعطيتك من شرف النبوة
والحكمة ( وكن من الشاكرين ) على النعمة في ذلك فهي من أجل النعم ، وقيل خر موسى صعقا يوم عرفة ،
وأعطي التوراة يوم النحر . فإن قلت : كيف قيل اصطفيتك على الناس وكان هارون مصطفى مثله ونبيا ؟ قلت :
أجل ولكنه كان تابعا له وردءا أو وزيرا ، والكليم هو موسى عليه السلام والأصيل في حمل الرسالة . ذكروا في
عدد الألواح وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح ، وقيل سبعة ، وقيل لوحين وأنها كانت من زمرد ،
جاء بها جبريل عليه السلام ، وقيل من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء ، وقيل أمر الله موسى بقطعها من صخرة صماء
لينها له فقطعها بيده وشققها بأصابعه . وعن الحسن كانت من خشب نزلت من السماء فيها التوراة وأن طولها كان
عشرة أذرع ، وقوله ( من كل شئ ) في محل النصب مفعول كتبنا و ( موعظة وتفصيلا ) بدل منه . والمعنى :
كتبنا له كل شئ كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام ، وقيل أنزلت التوراة
وهي سبعون وقر بعير ، يقرأ الجزء منه في سنة ، لم يقرأها إلا أربعة نفر : موسى ويوشع وعزير وعيسى عليهم
السلام . وعن مقاتل كتب في الألواح " إني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئا ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا
باسمي كاذبين ، فإن من حلف باسمي كاذبا فلا أزكيه ، ولا تقتلوا ولا تزنوا ، ولا تعقوا الوالدين "
( فخذها ) فقلنا له خذها عطفا على كتبنا يجوز أن يكون بدلا من قوله : فخذ ما آتيتك والضمير في خذها
للألواح أو لكل شئ لأنه في معنى الأشياء أو للرسالات أو للتوراة . ومعنى ( بقوة ) بجد وعزيمة فعل