عبده إلى مناسمة أنبائه ، ولا أوجد على إلفها منه على زيارة فنائه ، وليس الأشواق ، لذوات الأطواق ، ولا عند السّاجعة ، عبرة متراجعة ، إنّما رأت الشّرطين ، قبل البطَّين ، والرّشاء « 1 » بعد العشاء ، فحكت صوت الماء في الخرير ، وأتت براء دائمة التكرير ، فقال جاهل فقدت حميما ، وثكلت ولدا قديما ، وهيهات يا باكية أصبحت فصدحت ، وأمسيت فتناسيت ، لا همام لا همام ، ما رأيت أعجب من هاتف الحمام ، سلم فناح ، وصمت فهو مكسور الجناح . إنما الشوق لمن يدّكر « 2 » في كلّ حين ، ولا يذهله مضيّ السنين .
وسيّدنا - أطال اللَّه بقاه - القائل النظم في الذّكاء مثل الزّهر ، وفي النقاء مثل الجوهر ، تحسب بادرته التّاج « 3 » ارتفع عن الحجاج « 4 » ، وغابرته الحجل « 5 » في الرّجل يجمع بين اللَّفظ القليل ، والمعنى الجليل ، جمع الأفعوان في لعابه بين القلَّة وفقد البلَّة « 6 » ، خشن ولان فما هان ، لين الشكير يدلّ على عتق المحضير « 7 » ، وحرش الدينار « 8 » ، آية كرم النجار ، فصنوف الأشعار بعده كألف السّلم ، يلفظ بها في الكلام ، ولا تثبت لها هيئة بعد اللام ، خلص من سبك النقد خلوص الذّهب من اللهب ، واللجين من يد القين ، كأنه لآل ، في أعناق حوال ، وسواه لطَّ ، في عنق ثطَّ « 9 » ، ما خانته قوة الخاطر الأمين ، ولا عيب بسناد « 10 » ولا تضمين ، وأين النّثرة من
شرح
« 1 » الشرطان : من منازل القمر ؛ من الكواكب الشامية وكذلك البطين ؛ والرشاء من منازل القمر وهو من الكواكب اليمانية .
« 2 » م : يذكر ؛ ر : يتذكر .
« 3 » البادرة : البديهة والسابقة ، التاج : الإكليل .
« 4 » الحجاج : العظم الذي ينبت عليها الحاجب .
« 5 » الغابرة : الباقية ، الحجل : الخلخال .
« 6 » البلة : من قولهم بل المريض أو أبل لذا برئ .
« 7 » الشكير ( هنا ) : ما كان حول ناصية الفرس من الشعر ؛ المحضير : الفرس الشديد الجري .
« 8 » حرش الدينار : خشونته .
« 9 » اللط : قلادة من حنظل ؛ الثط : الذي لا شعر في وجهه .
« 10 » ( 10 ) السناد : عيب من عيوب الشعر ؛ والتضمين أن لا يتم معنى البيت إلَّا مع ثان له .