عَفَا اللَّه عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ( 43 )
شرح
ومن البلاغة أن يوجه الإنسان العتاب إلى أحد وهو يريد إفهام غيره ، فإذا ألحّ الشخص المتظاهر بالفقر ، فأشرت إلى ولدك بإعطائه المال ، تقول له - معاتبا - وأنت تريد إفهام الآخذ : لم أعطيته المال ؟ مع أن إعطاءه كان بأمرك ولكنك تريد توبيخ الآخذ بصورة بليغة ، وهذا كما يظهر في الكلام يظهر في العمل ، فقد تأخذ بيد الولد لتقصيره أمام الآخذ مظهرا غضبك عليه ، تريد إفهام الآخذ بسوء صنيعه في الأخذ ، كما تقدم في قصة موسى وهارون عليهما السّلام .
وهذا هو المعنى من قول الإمام الرضا عليه السّلام في جواب أسئلة المأمون عن عصمة الأنبياء . وأنه كيف قال للرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « عفا الله عنك . . » ، هذا مما نزل ب « إياك أعني واسمعي يا جارة » « 1 » .
* ( عَفَا اللَّه عَنْكَ ) * يا رسول الله . إنه لا يريد أنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فعل خلاف الأولى ، حتى يستحق العفو أو العتاب ، بل يريد إفهام المتخلفين أنهم فعلوا فعلا قبيحا حتى إن الإذن لهم في القعود يستحق العفو * ( لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) * في البقاء وعدم الخروج إلى الجهاد * ( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) * في أنهم لا يستطيعون الخروج * ( وتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ) * أي حتى تعلم وتميّز بين الصادق والكاذب ، وقد كان الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يميّز ويعلم ، كيف وأحدنا يعلم الصادق والكاذب من أصحابه وأصدقائه ؟ لكن هذا الكلام لتنبيه المتخلفين الكاذبين ، وأنه عرف كذبهم وسوء قصدهم .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 11 ص 83 .