وما كانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّه مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( 34 ) وما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّه
شرح
أقول : وكأن النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أمره بالرحيل حتى لا يمنع عن عذابه وجوده صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عنده حيث قال سبحانه : « وَما كانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ » . كما أنه لا منافاة بين الحديثين ، فقد كانت بعض آي القرآن وسوره ينزل مرتين وأكثر ، فلعلها نزلت مرة في قصة أبي جهل ومرة في قصة الحارث .
[ 34 ] ثم بيّن سبحانه أنهم مع استحقاقهم العذاب لما كانوا يفعلونه ، لكنه لا يعجّل لهم ما دام الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فيهم ، فلعلهم يرجعون ويتوبون ، وما دام أنهم - مع كفرهم - يستغفرون الله سبحانه ، كما روي أن أبا جهل بعد ما ذكر الدعاء قال : واستغفر الله ، فقال سبحانه : * ( وما كانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ ) * بإمطار الحجارة عليهم - كما طلبوا - أو غيره * ( وأَنْتَ فِيهِمْ ) * جملة حالية ، أي : في حال كونك يا رسول الله بين أظهرهم ، والمراد بذلك إما الرحمة بهم لأجلك ، أو عدم عذابهم لاحتمال الإيمان ، فإن الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ما دام فيهم يحتمل رجوعهم وهدايتهم . * ( وما كانَ اللَّه مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) * ولعل اختلاف التعبير في « ليعذبهم » و « معذبهم » لأجل أن كون الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بين أظهرهم له أمد ولذا جاء بالفعل ، أما الاستغفار فإنه لا مدة له ولذا جيء بالاسم الدال على الدوام .
[ 35 ] ثم بيّن سبحانه أنه وإن كان لا يعذبهم إلَّا أنهم يستحقون العذاب بما يرتكبون من الآثام ، فقال سبحانه : * ( وما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّه ) * أي لم لا يعذبهم وأي أمر يوجب ترك تعذيبهم