فانّ أنواع الحبّ في الحياة الدنيا مرجعها ومنشأها حبّ النفس ، فلا يحبّ الإنسان المادّىّ شيئا إلَّا من جهة حبّ نفسه ولنفسه ، وإذا كان حبّ شيء مزاحما لبرنامج حياته وتمايلات نفسه وشهواته : يبغضه ويخالفه وإن كان أقرب أرحامه منه ، كالزوج الملازم الشريك له في إدامة الحياة .
فللعاقل المتوجّه إلى الحقّ أن يكون حبّه وبغضه للَّه وفي اللَّه ، ولو كان بالنسبة إلى الزوج أو الأولاد أو الأموال أو الأصدقاء .
* ( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ وَوالِدٍ وَما وَلَدَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ) * - 90 / 3 البلد : قطعة محدودة من الأرض عامرة أو غير عامرة . والحلّ : صفة كالملح ، بمعنى من يكون في انطلاق برفع أي ممنوعيّة . والوالد : كلّ ما أخرج من نفسه شيئا بالتكوين . والمولود : هو الخارج منه . والوالد عطف على قوله بهذا البلد ، أي ولا اقسم بالوالد وما ولده .
وليس المراد من الوالد : الأب الوالد لولده ، بل مطلق ما يخرج شيئا من نفسه إنسانا أو غير إنسان . والبلد في هذا المورد والد يخرج النبىّ الأكرم ، وهذا مصداق واحد من مصاديقه .
والكلمة تشمل الأشجار المورقة المثمرة ، والجبال المكوّنة بالمعادن ، والثوابت المنيرة ، والبحار المولَّدة للبخار والسحاب ، والحيوانات المولَّدة لأطفالها ، والأراضى المولَّدة للنبات والحيوان .
وأمّا تخصيص الوالد بآدم النبىّ ( ص ) أو بإبراهيم الخليل ( ع ) أو برسول اللَّه ( ص ) أو بغيرهم : فلا يناسب في المقام .
* ( عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ) * - 56 / 17 الولدان جمع الوليد وهو من يتّصف بالتولَّد أي الخروج من شيء والتكوّن منه .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 201
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص٢٠١