والتحقيق
أنّ الأصل الواحد في المادّة : هو ثقالة يحمل على شخص أو شيء ، مادّيّا أو معنويّا . والثقل يلاحظ في نفس الشيء ومن حيث هو . كما أنّ العظمة هو تفوّق قوّة وقدرة . والجلالة : عظم شأن ويكون في غير الأجسام - راجع العظم .
فالوقار في قبال الخفّة ، كما أنّ العظمة في قبال الحقارة .
وأمّا أنّ الوقور لا ينسب إلى اللَّه تعالى ولا يسمّىّ به : فانّ معنى المادّة كما قلنا هو ثقالة يحمل على غيره ، وهذا المعنى غير مناسب له .
وأمّا التوقير : فهو بمعنى جعل ثقالة ووقار له تعالى ، لا بمعنى جعله تعالى وقورا وثقيلا ، قال تعالى :
* ( ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّه ِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ) * - 71 / 13 أي وقارا له في صفاته وأفعاله وخلقه وتقديره وتنظيمه ، ويشاهد وقاره وعظمة مقامه من أطوار خلقه في أنفسكم وفي السماوات والأرض .
* ( إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِالله وَرَسُولِه ِ وَتُعَزِّرُوه ُ وَتُوَقِّرُوه ُ وَتُسَبِّحُوه ُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) * - 48 / 9 أي بأن تجعلوه ذا وقار له ، بتعظيم مقاماته وتجليل شأنه ومعرفة صفاته وأفعاله ودقائق صنعه ولطائف حكمته وتقديره .
والتوقير في الآية الكريمة مذكور بعد التعزير وهو الذبّ والتقوية كما سبق ، وفي إدامة التقوية لازم أن يجعل ذا وقار وثقالة في آثاره .
* ( وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْه ِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ ) * - 41 / 5 . * ( إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوه ُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ) * - 18 / 57 الأكِنّة جمع الكِنّ ، وهو بمعنى الغطاء الساتر الحافظ . وغطاء القلب لا بدّ أن يكون أمرا معنويّا ليستره ويحفظه عن الفهم والمعرفة والايمان ، وهذا انكدار وقساوة وظلمة حاصلة من سوء الأعمال .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 177
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٧٧