وظاهر الآية الكريمة وما قبلها :
* ( عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ . ) * وما بعدها :
* ( خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ ) * . . . . * ( تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ . ) * أنّ المراد الخروج من التعلَّقات المادّيّة والقيود الدنيويّة الظلمانيّة الخارجيّة والنفسانيّة ، وهذا الخروج إنّما يتحقّق بالموت والانتقال عن الحياة الدنيا إلى الآخرة ، فينقطع عن هذه العلائق المادّيّة الحاكمة ، وتبقى آثارها في النفس ، وتتحصّل له منتهى حالة الخشوع والذلَّة ، ويرى سيره قهرا إلى عالم الآخرة ، ويتمنّى الوصول إلى حياة منطلقة وعيش روحانىّ وسعة في إدامة انبساط النفس ، كلّ بحسب إدراكه وعلى اقتضاء حاله ، فيسير سريعا إلى جانب ذلك الهدف المقصود ، الَّذى يتمنّى الوصول اليه ، ثمّ يشاهد قصوره وضعفه ومحدوديّته ، بحيث لا يستطيع التجاوز عن حدّه الموجود ، ولا الترفّع والتعالي عن مرتبته المكتسبة ، وإن جدّ كلّ الجهد .
وهنالك يرى في نفسه غاية الذلَّة ونهاية الحقارة وكمال الابتلاء الدائم المستمرّ ، فلا يظنّ لنفسه تخلَّصا ونجاتا وانطلاقا .
وحينئذ يشاهد في نفسه حسرة ويأسا ، وهذا عذاب فوق النار ، ولا يحسّ عذاب النار وحرارة الجحيم إذا أحاط به اليأس والحسرة .
* ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ ا للهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها ) * - 6 / 31 وصدر الآية الكريمة كالتصريح في المعنى المذكور ، وهو إدراك الموت ، فانّ قوله :
* ( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ . ) * يدلّ على أنّ الخوض واللعب إنّما يستمرّ ان إلى لقاء اليوم ، يوم يخرجون من الأجداث ، فلا تنطبق الآية على يوم البعث والنشور .
التحقيق في كلمات القرآن الكريم — صفحة 157
مساهمون: الشيخ حسن المصطفوي
ص١٥٧