تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحريرات في الأصول — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
أوامر إرشادية لما يرون من مصالح الأشياء ومفاسدها ، فيرشدون المراجعين إليها ، ويحذرونهم من عواقبها الراجعة إليهم من حسنها وسوئها ، ونقصها وكمالها ، فيكون لأعمالهم تبعات قهرية طبيعية وتكوينية ، تحصل بمجرد الإتيان بها ، والأطباء كاشفون هذه الخواص والآثار ، ومبعوثون من قبل الله تعالى بنحو من البعث ، لا كبعث الأنبياء والرسل على كافة الخلق ، ويرشدونهم إلى ما يصلح حالهم ، ويمنعهم عن المضرات والمفسدات . فهل عند ذلك يعقل كون أمر الطبيب أمرا مولويا ، أو هل يعقل كون أمر الله ونهيه بالنسبة إلى تلك المصالح والمفاسد مولويا ، إذا كان لا يترتب على مخالفته وعصيانه غير الأثر السي ء ، وغير تبعات تلك الأعمال ، ولا يكون العقاب الآخر مجعولا على المخالفة ، بل كان لا يترتب على مخالفة شرب المسهل إلا سوء المزاج ، ويبقى على حاله من سوء حاله ، وانحراف طبيعته ، ولا يكون شئ آخر وراء ذلك ؟ ! وهكذا إذا كان لا يترتب على موافقة تلك الأوامر إلا تبعاتها القهرية ، وآثارها التكوينية ، وكان عقابها منحصرا بذلك ، فهل يعقل كون الأوامر في هذا المحيط وتلك الصورة ، نفسية ومولوية ؟ ! كلا ، بل لا بد وأن تكون إرشادية إلى تلك التبعات ، لعدم معنى للمؤاخذة على المخالفة لابتلاء العاصي بالعقاب إلا بإذن الله ، والمطيع بالثواب إلا بإذن الله . إذا لاحظت في دقيق نظرك هذه المقالة ، يخطر ببالك الشبهة في الواجبات والمحرمات الإلهية ، فإنها ربما كانت كالواجب والمحرم في محيط الطبيب والمريض ، ويكون الأنبياء أطباء الروح ، ويخبرون عما لا يطلع عليه البشر في هذه النشأة ، ولذلك يجب على الله تعالى بعث الرسل ، وإنزال الكتب ، لإعلام الناس بهذه المصائب والمثوبات ، وأن الأعمال في هذه النشأة تلازم الصور المؤذية والملذة ،