الدنيا ، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من جهة حسناتهم وسيئاتهم . ويحتمل أن يقال من بين أيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز عنه ، ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون ، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم . وإنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الأخيرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم ، ونظيره قولهم جلست عن يمينه . * ( ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ) * مطيعين ، وإنما قاله ظنا لقوله تعالى : * ( ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّه ) * لما رأى فيهم مبدأ الشر متعددا ومبدأ الخير واحدا ، وقيل سمعه من الملائكة .
قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ( 18 ) ويا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هذِه الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 19 )
* ( قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً ) * مذؤما من ذأمه إذا ذمه . وقرئ « مذوما » كمسول في مسؤول أو كمكول في مكيل ، من ذامه يذيمه ذيما . * ( مَدْحُوراً ) * مطرودا . * ( لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ ) * اللام فيه لتوطئة القسم وجوابه :
* ( لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ ) * وهو ساد مسد جواب الشرط . وقرئ « لمن » بكسر اللام على أنه خبر لأملأن على معنى : لمن تبعك هذا الوعيد ، أو علة لأخرج ولأملأن جواب قسم محذوف ومعنى منكم منك ومنهم فغلب المخاطب .
* ( وَيا آدَمُ ) * أي وقلنا يا آدم . * ( اسْكُنْ أَنْتَ وزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هذِه الشَّجَرَةَ ) * وقرئ « هذي » وهو الأصل لتصغيره على ذيا والهاء بدل من الياء . * ( فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ) * فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم ، وتكونا يحتمل الجزم على العطف والنصب على الجواب .
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِه الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ( 20 )
* ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ ) * أي فعل الوسوسة لأجلهما ، وهي في الأصل الصوت الخفي كالهينمة والخشخشة ومنه وسوس الحلي . وقد سبق في سورة « البقرة » كيفية وسوسته . * ( لِيُبْدِيَ لَهُما ) * ليظهر لهما ، واللام للعاقبة أو للغرض على أنه أراد أيضا بوسوسته أن يسوءهما بانكشاف عورتيهما ، ولذلك عبر عنهما بالسوأة . وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع .
* ( ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما ) * ما غطي عنهما من عوراتهما ، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر ، وإنما لم تقلب الواو المضمومة همزة في المشهور كما قلبت في أويصل تصغير واصل لأن الثانية مدة وقرئ « سوءاتهما » بحذف الهزة وإلقاء حركتها على الواو و « سوءاتهما » بقلبها واوا وإدغام الواو الساكنة فيها .
* ( وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِه الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا ) * إلَّا كراهة أن تكونا . * ( مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ) * الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة ، واستدل به على فضل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وجوابه : أنه كان من المعلوم أن الحقائق لا تنقلب وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما أيضا ما للملائكة من الكمالات الفطرية ، والاستغناء عن الأطعمة والأشربة ، وذلك لا يدل على فضلهم مطلقا .
وقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ( 21 ) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 22 )