تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
* ( وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) * أي أقسم لهما على ذلك ، وأخرجه على زنة المفاعلة للمبالغة . وقيل أقسما له بالقبول . وقيل أقسما عليه باللَّه أنه لمن الناصحين فأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة . * ( فَدَلَّاهُما ) * فنزلهما إلى الأكل من الشجرة ، نبه به على أنه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة ، فإن التدلية والإدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل . * ( بِغُرُورٍ ) * بما غرهما به من القسم فإنهما ظنا أن أحدا لا يحلف باللَّه كاذبا ، أو ملتبسين بغرور . * ( فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ) * أي فلما وجدا طعمها آخذين في الأكل منها أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية ، فتهافت عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما . واختلف في أن الشجرة كانت السنبلة أو الكرم أو غيرهما ، وأن اللباس كان نورا أو حلة أو ظفرا . * ( وطَفِقا يَخْصِفانِ ) * أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة . * ( عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) * قيل كان ورق التين ، وقرئ « يخصفان » من أخصف أي يخصفان أنفسهما ويخصفان من خصف ويخصفان وأصله يختصفان . * ( وناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ ) * عتاب على مخالفة النهي ، وتوبيخ على الاغترار بقول العدو . وفيه دليل على أن مطلق النهي للتحريم .
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 24 ) * ( قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ) * أضررناها بالمعصية والتعريض للإخراج من الجنة . * ( وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) * دليل على أن الصغائر معاقب عليها إن لم تغفر . وقالت المعتزلة لا تجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر ولذلك قالوا : إنما قالا ذلك على عادة المقربين في استعظام الصغير من السيئات واستحقار العظيم من الحسنات . * ( قالَ اهْبِطُوا ) * الخطاب لآدم وحواء وذريتهما ، أو لهما ولإبليس . كرر الأمر له تبعا ليعلم أنهم قرناء أبدا وأخبر عما قال لهم متفرقا . * ( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) * في موضع الحال أي معتادين . * ( ولَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ) * استقرار أي موضع استقرار . * ( ومَتاعٌ ) * وتمتع . * ( إِلى حِينٍ ) * إلى أن تقضى آجالكم .
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنْها تُخْرَجُونَ ( 25 ) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ ورِيشاً ولِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّه لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 26 ) * ( قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنْها تُخْرَجُونَ ) * للجزاء وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان * ( ومِنْها تُخْرَجُونَ ) * ، وفي « الزخرف » * ( كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ) * بفتح التاء وضم الراء . * ( يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً ) * أي خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة ، ونظيره قوله تعالى : * ( وأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعامِ ) * وقوله تعالى : * ( وأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ) * . * ( يُوارِي سَوْآتِكُمْ ) * التي قصد الشيطان إبداءها ، ويغنيكم عن خصف الورق . روي : أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون لا نطوف في ثياب عصينا اللَّه فيها ، فنزلت . ولعله ذكر قصة آدم مقدمة لذلك حتى يعلم أن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان ، وأنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم . * ( ورِيشاً ) * ولباسا تتجملون به ، والريش الجمال . وقيل مالا ومنه تريش الرجل إذا تموّل . وقرئ « رياشا » وهو جمع ريش كشعب وشعاب . * ( ولِباسُ التَّقْوى ) * خشية اللَّه . وقيل الإيمان . وقيل السمت الحسن . وقيل لباس الحرب ورفعه بالابتداء وخبره : * ( ذلِكَ خَيْرٌ ) * أو خير وذلك صفته كأنه قيل : ولباس التقوى المشار إليه خير . وقرأ نافع وابن عامر والكسائي * ( ولِباسُ التَّقْوى ) * بالنصب عطفا على * ( لِباساً ) * . * ( ذلِكَ ) * أي إنزال اللباس . * ( مِنْ آياتِ اللَّه ) * الدالة على فضله ورحمته . * ( لَعَلَّهُمْ