تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 ) * ( قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ) * أي أن تسجد ولا صلة مثلها في * ( لِئَلَّا يَعْلَمَ ) * ، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه ، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود . وقيل الممنوع عن الشيء مضطر إلى خلافه فكأنه قيل : ما اضطرك إلى ألا تسجد . * ( إِذْ أَمَرْتُكَ ) * دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور . * ( قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْه ) * جواب من حيث المعنى استأنف به استبعادا لأن يكون مثله مأمورا بالسجود لمثله كأنه قال : المانع أني خير منه ، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول ، فكيف يحسن أن يؤمر به . فهو الذي سن التكبر وقال بالحسن والقبح العقليين أولا . * ( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَه مِنْ طِينٍ ) * تعليل لفضله عليه ، وقد غلط في ذلك بأن رأى الفضل كله باعتبار العنصر وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله تعالى : * ( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) * أي بغير واسطة ، وباعتبار الصورة كما نبه عليه بقوله : * ( ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ ) * وباعتبار الغاية وهو ملاكه ولذلك أمر الملائكة بسجوده لما بين لهم أنه أعلم منهم ، وأن له خواص ليست لغيره ، والآية دليل الكون والفساد وأن الشياطين أجسام كائنة ، ولعل إضافة خلق الإنسان إلى الطين والشيطان إلى النار باعتبار الجزء الغالب . * ( قالَ فَاهْبِطْ مِنْها ) * من السماء أو الجنة . * ( فَما يَكُونُ لَكَ ) * فما يصح . * ( أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها ) * وتعصي فإنها مكان الخاشع والمطيع . وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة وأنه سبحانه وتعالى إنما طرده وأهبطه لتكبره لا لمجرد عصيانه . * ( فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) * ممن أهانه اللَّه لتكبره ، قال عليه الصلاة والسلام « من تواضع رفعه اللَّه ومن تكبر وضعه اللَّه » .
قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 14 ) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( 15 ) * ( قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) * أمهلني إلى يوم القيامة فلا تمتني ، أو لا تعجل عقوبتي . * ( قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) * يقتضي الإجابة إلى ما سأله ظاهرا لكنه محمول على ما جاء مقيدا بقوله تعالى : * ( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ) * وهو النفخة الأولى ، أو وقت يعلم اللَّه انتهاء أجله فيه ، وفي إسعافه إليه ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته .
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( 16 ) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ وعَنْ أَيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ ( 17 ) * ( قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي ) * أي بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني بسبب إغوائك إياي بواسطتهم تسمية ، أو حملا على الغي ، أو تكليفا بما غويت لأجله والباء متعلقة بفعل القسم المحذوف لا بأقعدن فإن اللام تصد عنه وقيل الباء للقسم : * ( لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ ) * ترصدا بهم كما يقعد القطاع للسابلة * ( صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) * طريق الإسلام ونصبه على الظرف كقوله : لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه * فيه كما عسل الطَّريق الثّعلب وقيل تقديره على صراطك كقولهم : ضرب زيد الظهر والبطن . * ( ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ وعَنْ أَيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ) * أي من جميع الجهات الأربع . مثل قصده إياهم بالتسويل والإضلال من أي وجه يمكنه بإتيان العدو من الجهات الأربع ، ولذلك لم يقل من فوقهم ومن تحت أرجلهم . وقيل لم يقل من فوقهم لأن الرحمة تنزل منه ولم يقل من تحتهم لأن الإتيان منه يوحش الناس . وعن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما : من بين أيديهم من قبل الآخرة ، ومن خلفهم من قبل