* ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) * .
* ( أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) * لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل ، ومحاسن أفعال الجوارح التي هي العيار عليها من الصلاة والصدقة ، و * ( حَقًّا ) * صفة مصدر محذوف أو مصدر مؤكد كقوله : « هو عبد اللَّه حقا » . * ( لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ) * كرامة وعلو منزلة .
وقيل درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم . * ( ومَغْفِرَةٌ ) * لما فرط منهم . * ( ورِزْقٌ كَرِيمٌ ) * أعد لهم في الجنة لا ينقطع عدده ولا ينتهي أمده .
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ( 5 )
* ( كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ ) * خبر مبتدأ محذوف تقديره : هذه الحال في كراهتهم إياها كحال إخراجك للحرب في كراهتهم له ، وهي كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة . أو صفة مصدر الفعل المقدر في قوله : * ( لِلَّه والرَّسُولِ ) * أي الأنفال ثبتت للَّه والرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراجك ربك من بيتك ، يعني المدينة لأنها مهاجره ومسكنه أو بيته فيها مع كراهتهم . * ( وإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ) * في موقع الحال أي أخرجك في حال كراهتهم ، وذلك
أن عير قريش أقبلت من الشأم وفيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكبا منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل وعمرو بن هشام ، فأخبر جبريل عليه السلام رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقيها لكثرة المال وقلة الرجال ، فلما خرجوا بلغ الخبر أهل مكة ، فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول ، عيركم أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبدا ، وقد رأت قبل ذلك بثلاث عاتكة بنت عبد المطلب أن ملكا نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ثم حلق بها فلم يبق بيت في مكة إلا أصابه شيء منها ، فحدثت بها العباس وبلغ ذلك أبا جهل فقال : ما ترضى رجالهم أن يتنبؤوا حتى تتنبأ نساؤهم ، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة ومضى بهم إلى بدر وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسوقهم يوما في السنة ، وكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بوادي ذفران فنزل عليه جبريل عليه السلام بالوعد بإحدى الطائفتين إما العير وإما قريش ، فاستشار فيه أصحابه فقال بعضهم : هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له إنما خرجنا للعير ، فردد عليهم وقال : إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل ، فقالوا : يا رسول اللَّه عليك بالعير ودع العدو ، فغضب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقام أبو بكر وعمر رضي اللَّه تعالى عنهما وقالا فأحسنا ، ثم قام سعد بن عبادة فقال : انظر أمرك فامض فيه فواللَّه لو سرت إلى عدن أبين ما تخلف عنك رجل من الأنصار ، ثم قال مقداد بن عمرو : امض لما أمرك اللَّه فإنا معك حيثما أحببت ، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى * ( اذْهَبْ أَنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ ) * ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فتبسم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ثم قال : « أشيروا عليّ أيها الناس » وهو يريد الأنصار لأنهم كانوا عددهم وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم برآء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم ، فتخوف أن لا يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة ، فقام سعد بن معاذ فقال لكأنك تريدنا يا رسول اللَّه فقال : أجل ، قال : قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول اللَّه لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا ، وإنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ولعل اللَّه يريك منا ما تقرّ به عينك ، فسر بنا على بركة اللَّه تعالى ، فنشطه قوله ثم قال : « سيروا على بركة اللَّه تعالى وأبشروا فإن اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين ، واللَّه لكأني أنظر إلى مصارع القوم » .
وقيل إنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ من بدر قيل له : عليك بالعير فناداه العباس وهو في وثاقه لا يصلح فقال له « لم » فقال : لأن اللَّه وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك ، فكره بعضهم قوله .