تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 ) * ( يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ ) * في إيثارك الجهاد بإظهار الحق لإيثارهم تلقي العير عليه . * ( بَعْدَ ما تَبَيَّنَ ) * لهم أنهم ينصرون أينما توجهوا بإعلام الرسول عليه الصلاة والسلام . * ( كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وهُمْ يَنْظُرُونَ ) * أي يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه ، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم إذ روي أنهم كانوا رجالة وما كان فيهم إلا فارسان ، وفيه إيماء إلى أن مجادلتهم إنما كانت لفرط فزعهم ورعبهم .
وإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّه إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ويُرِيدُ اللَّه أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِه ويَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) لِيُحِقَّ الْحَقَّ ويُبْطِلَ الْباطِلَ ولَوْ كَرِه الْمُجْرِمُونَ ( 8 ) * ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّه إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ) * على إضمار اذكر ، وإحدى ثاني مفعولي * ( يَعِدُكُمُ ) * وقد أبدل منها . * ( أَنَّها لَكُمْ ) * بدل الاشتمال . * ( وتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ) * يعني العير فإنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا ولذلك يتمنونها ويكرهون ملاقاة النفير لكثرة عددهم ، وعددهم والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك . * ( ويُرِيدُ اللَّه أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ ) * أي يثبته ويعليه . * ( بِكَلِماتِه ) * الموحى بها في هذه الحال ، أو بأوامره للملائكة بالإمداد ، وقرئ « بكلمته » . * ( ويَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ) * ويستأصلهم ، والمعنى : أنكم تريدون أن تصيبوا مالا ولا تلقوا مكروها ، واللَّه يريد إعلاء الدين وإظهار الحق وما يحصل لكم فوز الدارين . * ( لِيُحِقَّ الْحَقَّ ويُبْطِلَ الْباطِلَ ) * أي فعل ما فعل وليس بتكرير ، لأن الأول لبيان المراد وما بينه وبين مرادهم من التفاوت ، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول على اختيار ذات الشوكة ونصره عليها . * ( ولَوْ كَرِه الْمُجْرِمُونَ ) * ذلك .
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) وما جَعَلَه اللَّه إِلَّا بُشْرى ولِتَطْمَئِنَّ بِه قُلُوبُكُمْ ومَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه إِنَّ اللَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 ) * ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ) * بدل من * ( إِذْ يَعِدُكُمُ ) * أو متعلق بقوله * ( لِيُحِقَّ الْحَقَّ ) * ، أو على إضمار اذكر ، واستغاثتهم أنهم لما علموا أن لا محيص عن القتال أخذوا يقولون : أي رب انصرنا على عدوك أغثنا يا غياث المستغيثين ، وعن عمر رضي اللَّه تعالى عنه أنه عليه السلام نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو : « اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض » فما زال كذلك حتى سقط رداؤه فقال أبو بكر يا نبي اللَّه : كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك . * ( فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ ) * بأني ممدكم ، فحذف الجار وسلط عليه الفعل وقرأ أبو عمرو بالكسر على إرادة القول أو إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من القول . * ( بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) * متبعين المؤمنين أو بعضهم بعضا من أردفته أنا إذا جئت بعده ، أو متبعين بعضهم بعض المؤمنين ، أو أنفسهم المؤمنين من أردفته إياه فردفه . وقرأ نافع ويعقوب * ( مُرْدِفِينَ ) * بفتح الدال أي متبعين أو متبعين بمعنى أنهم كانوا مقدمة الجيش أو ساقتهم . وقرئ « مردفين » بكسر الراء وضمها وأصله مرتدفين بمعنى مترادفين فأدغمت التاء في الدال فالتقى ساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل أو بالضم على الاتباع . وقرئ « بآلاف » ليوافق ما في سورة « آل عمران » ، ووجه التوفيق بينه وبين المشهور أن المراد بالألف الذين كانوا على المقدمة أو الساقة ، أو وجوههم وأعيانهم ، أو من قاتل منهم واختلف في مقاتلتهم وقد روي أخبار تدل عليها . * ( وَما جَعَلَه اللَّه ) * أي الإمداد * ( إِلَّا بُشْرى ) * إلا بشارة لكم بالنصر . * ( ولِتَطْمَئِنَّ بِه قُلُوبُكُمْ ) * فيزول ما بها