يمتنع أن يتفاضل المؤمنون في الطاعات وان لم يتفاضلوا في الايمان ، يبين ذلك أنه قال
في أول الآية " إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " ووجل القلب ليس بواجب بلا خلاف ،
وإنما ذلك من المندوبات . وقوله " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم
يتوكلون " لأنه إذا صدق بآية آية انها من عند الله ، فلا شك ان معارفه تزداد
وإن لم يزد بفعل الجوارح .
وقوله " الذين يقيمون الصلاة " يدخل في ذلك الفرائض والنوافل ، ولا شك
أن الاخلال بالنوافل لا يخرج من الايمان ولا ينقص منه عند الأكثر . والانفاق
أيضا قد يكون بالواجب والنفل . والاخلال بما ليس بواجب منه لا يخرج من الايمان
بلا خلاف . وقوله " أولئك هم المؤمنون حقا " يبين ذلك أنه أشار به : إلى خيارهم
وأفاضلهم ، لأن هذه أوصافهم فمن أين ان غيرهم وإن كان دونهم في المنزلة
لا يكون مؤمنا ؟ !
وقال ابن عباس : أراد ان المنافق لا يدخل قلبه شئ من ذلك عند ذكر الله .
وأن هذه الأوصاف منتفية عنه .
والوجل والخوف والفزع واحد ، يقال وجل فلان يوجل وجلا ، ويقال ياجل
وييجل وأفصحها يوجل . قال الله تعالى " لا توجل " أي لا تخف وقال الشاعر :
لعمرك ما أدري وإني لا وجل * على أينا تعدوا المنية أول ( 1 )
وإنما وصفهم بالوجل - ههنا - وباطمئنان القلوب في قوله : " الذين آمنوا
وتطمئن قلوبهم بذكر الله " ( 2 ) لان الوجل يكون بالخوف من عقابه وبارتكاب معاصيه .
والاطمئنان بذكر الله معناه : ينعمه وعدله ، ووصفهم بالوجل يكون في دار الدنيا ،
وأما في الآخرة فإنه " لا يحزنهم الفزع الأكبر " ( 3 )
هامش
( 1 ) قطر الندى 23 الشاهد 6 باب المعرب والمبني .
( 2 ) سورة 13 الرعد آية 30
( 3 ) سورة 21 الأنبياء آية 103