هذا فأسلوهم " ( 1 ) ولم يقل فعله كبيرها فاسألوها ، وقال " والشمس والقمر رأيتهم
لي ساجدين " ( 2 ) لما أضاف السجود إليها جمعها بالواو والنون التي تختص بالعقلاء
ومعنى " من دون الله " غير الله ، كأنه قال كل مدعو إلها غير الله " عباد أمثالكم "
و " من " لابتداء الغاية في أن الدعاء دون دعاء الله إلى حيث انتهى إنما هو لعباد الله .
ثم قال " عباد أمثالكم " فإنما سماها كذلك لان التعبد التذلل ، فلما كانت الأصنام
تنصرف على مشيئة الله ، وهي غير ممتنعة عما يريد الله تعالى بها كانت بذلك في معنى
العباد . ويقال عبدت الطرق إذا وطئته حتى تقرر وسهل سلوكه . ومنه قوله تعالى
" وتلك نعمة تمنها علي ان عبدت بني إسرائيل " ( 3 ) اي ذللتهم واستخدمتهم
ضروبا من الخدم . وقال الجبائي وغيره : معنى " عباد " أي املاك لربهم كما أنتم
عبيد له ، فان كنتم صادقين في ادعائكم انها آلهة فادعوهم ليستجيبوا لدعائكم .
وهذه لام الامر على معنى التهجين كما قال " هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " ( 4 )
فإذا لم يستجيبوا لكم ، لأنها لا تسمع دعاءكم فاعلموا انها لا تنفع ولا تضر ولا
تستحق العبادة .
فأما من قال الأصنام تعبد الله على الحقيقة كما يعبد العقلاء ، وان كنا لا نفقه
ذلك فقد تجاهل ، لان العبادة ضرب من الشكر ، والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع
ضرب من التعظيم . والعبادة وان كانت شكرا فإنه يقارنها خضوع وتذلل . وكل
ذلك يستحيل من الجماد .
ويحتمل من حيث إنهم توهموا انها تضر وتنفع فقيل لهم ليس يخرج هؤلاء
بذلك عن حكم الله تعالى . وقال الحسن : معناه إنها مخلوقة أمثالكم . والعبد
المملوك من جنس ما يعقل ، لان الثوب مملوك ، ولا يسمى عبدا .
وقيل الدعاء الأول في الآية تسميتهم الأصنام آلهة كأنه قال : " إن الذين تدعون "
هامش
( 1 ) سورة 21 الأنبياء آية 63
( 2 ) سورة 12 يوسف آية 4
( 3 ) سورة 26 الشعراء آية 22
( 2 ) سورة 27 النمل آية 64