يجوز أن تكون الكناية من أول الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم وحواء .
فان قيل : فعلى هذا فأي تعلق لقوله " فتعالى الله عما يشركون " بذلك .
وكيف ينزه نفسه عن أن يطلب منه ولد آخر ؟ !
قلنا : لم ينزه نفسه عن ذلك وإنما نزهها عن الاشراك به ، ليس يمتنع ان
يقطع هذا الكلام عن حكم الأول ، لأنه قال بعد ذلك " أيشركون ما لا يخلق شيئا
وهم يخلقون " فنزه نفسه عن هذا الشرك دون ما تقدم .
فأما الخبر المدعى في هذا الباب ، فلا يلتفت إليه ، لان الاخبار تبنى على أدلة
العقول ، فإذا علمنا بدليل العقل ان الأنبياء لا يجوز عليهم المعاصي تأولنا كل خبر
يتضمن خلافه أو أبطلناه ، كما نفعل ذلك بأخبار الجبر والتشبيه . على أن هذا الخبر
مطعون في سنده ، لأنه يرويه قتادة عن الحسن عن سمرة ، وهو مرسل ، لان الحسن
لم يسمع من سمرة شيئا - في قول البغداديين - ولان الحسن قال بخلاف ذلك فيما
روى عنه عروة - في قوله عز وجل " فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما "
قال هم المشركون . ويعارض ذلك ما روي عن سعيد بن جبير وعكرمة والحسن
وغيرهم : من أن الشرك غير منسوب إلى آدم وزوجته ، وأن المراد به غيرهما
على أن في الخبر أشركا إبليس اللعين فيما ولد لهما بأن سمياه عبد الحرث ، والآية
تقضي انهم أشركوا الأصنام التي لا تخلق وهي تخلق ، والتي لا تستطيع ضرا ولا نفعا
وليس لإبليس في الآية ذكر ، ولو كان له ذكر لقال أتشركون من . وقال في
آخر القصة " ألهم أرجل يمشون بها . . " وكذا ، ولا يليق ذلك بإبليس . ويقوي
ان الآية مصروفة عن ادم إلى ولده أنه قال " فلما تغشاها " ولو كان منسوقا على
النفس الواحدة لقال فلما تغشتها ، لان ذلك هو الأجود والأفصح وإن جاز خلافه .
وحكي البلخي عن قوم انهم قالوا : لو صح الخبر لم يكن في ذلك الا إشراكا في
التسمية ، وليس ذلك بكفر ولا معصية كبيرة ، وذهب إليه كثير من المفسرين
واختاره الطبري .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 55
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٥٥