وذلك يفسد تأويل المجبرة الذين قالوا : معنى الآية إن الله يريد جميع ما
ينال الناس من النفع والضرر وإن كان ظلما وجورا من أفعال عباده
وقوله عز وجل " ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء "
معناه إني لو كنت أعلم الغيب لعلمت ما يربح من التجارات في المستقبل وما يخسر
من ذلك فكنت أشتري ما أربح وأتجنب ما أخسر فيه ، فتكثر بذلك الأموال
والخيرات عندي ، وكنت أعده في زمان الخصب لزمان الجدب " وما مسني السوء "
يعني الفقر إذا فعلت ذلك . وقيل : وما مسني تعذيب . وقيل : وما مسني جنون
جوابا لهم حين نسبوه إلى الجنون . وقال ابن جريج " لو كنت اعلم الغيب لاستكثرت "
من العمل الصالح قبل حضور الأجل ، وهو قول مجاهد وابن زيد . وقال البلخي :
لو كنت اعلم الغيب لكنت قديما ، والقديم لا يمسه السوء لان أحدا لا يعلم
الغيب الا الله .
وفي الآية دلالة على أن القدرة قبل الفعل ، لان قوله " لو كنت اعلم الغيب
لاستكثرت من الخير " يفيد أنه كان قادرا لأنه لو لم تكن القدرة إلا مع الفعل لو علم
الغيب لما أمكنه الاستكثار من الخير وذلك خلاف الآية .
وقوله تعالى " إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون " معناه لست الا مخوفا
من العقاب محذرا من المعاصي ومبشرا بالجنة حاثا عليها غير عالم بالغيب " لقوم
يؤمنون " فيصدقون بما أقول ، وخصهم بذلك لأنهم الذين ينتفعون بانذاره وبشارته
دون من لا يصدق به كما قال " هدى للمتقين " .
قوله تعالى :
هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها
ليسكن إليها فلما تغشيها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 50
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٥٠