الذي هو الدين الحق ، ولا يسلمون لامر الله الذي بعث به نبيه محمد صلى الله عليه وآله في تحريم
حرامه وتحليل حلاله . والدين في الأصل الطاعة قال زهير :
لئن حللت بجو في بني أسد * في دين عمرو وحالت بيننا فدك ( 1 )
وقوله " حتى يعطوا الجزية عن يد " فالجزية عطية عقوبة جزاء على الكفر
بالله على ما وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل الذمة - وهو على وزن جلسة ، وقعدة -
لنوع من الجزاء . وإنما قيل " عن يد " ليفارق حال الغصب على اقرار أحد . وقال
أبو علي : معناه يعطونا من أيديهم يجيئون بها بنفوسهم لا ينوب عنهم فيها غيرهم
إذا قدروا عليه . فيكون أذل لهم . وقال قوم : معناه عن نقد كما يقال : باع يدا
بيد . وقال آخرون : معناه عن يد لكم عليهم ونعمة تسدونها إليهم بقبول الجزية
منهم . وقال الحسين بن علي المغربي : معناه عن قهر ، وهو قول الزجاج .
وقوله " وهم صاغرون " فالصغار الذل والنكال الذي يصغر قدر صاحبه ، صغر
يصغر صغارا ، فهو صاغر . وقيل : الصغار اعطاء الجزية قائما ، والاخذ جالس ذهب
إليه عكرمة والجزية لا تؤخذ عندنا إلا من اليهود والنصارى والمجوس . وأما غيرهم
فلا يقبل منهم غير الاسلام أو السبي . وإنما كان كذلك لما علم الله تعالى من المصلحة
في اقرار هؤلاء على كفرهم ومنع ذلك في غيرهم ، لان هؤلاء على كفرهم يقرون
بألسنتهم بالتوحيد وبعض الأنبياء ، وان لم يكونوا على الحقيقة عارفين . وأولئك
يجحدون ذلك كله ، فلذلك فرق بينهما .
فان قيل : اعطاء الجزية منهم لا يخلوا أن يكون طاعة أو معصية ، فإن كان معصية فكيف أمر الله بها ؟ وإن كان طاعة وجب أن يكونوا مطيعين لله .
قلنا : إعطاؤهم ليس بمعصية . وأما كونها طاعة لله فليس كذلك ، لأنهم
إنما يعطونها دفعا للقتل عن أنفسهم لا طاعة لله . فان الكافر لا يقع منه طاعة عندنا
هامش
( 1 ) ديوانه 183 ومجاز القرآن 1 286 وتفسير الطبري 14 198