تتقوا معاصيه لكي يرحمكم ويدخلكم الجنة ونعيم الأبد .
وفي ذلك دلالة على بطلان مذهب المجبرة : أن الله تعالى لم يرد منهم
أن يتقوا ولا أن يؤمنوا .
قوله تعالى :
فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين
كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين ( 63 ) آية بلا خلاف .
هذا اخبار من الله تعالى عن قوم نوح أنه لم ينفع فيهم ذلك التخويف
ولا الوعظ والزجر ، وأنهم كذبوه يعني نوحا . ومعناه أنهم نسبوا خبره
إلى الكذب ، لان التكذيب نسبة الخبر إلى الكذب ، والتصديق نسبة الخبر
إلى الصدق ، وهذا مما يختلف فيه معنى ( فعل ، وفعل ) .
وقوله " فأنجيناه " إخبار من الله تعالى انه أنجا نوحا ، والانجاء هو
التخليص من الهلكة ، والاهلاك الايقاع فيها وهي المضرة الفادحة . " ومن
معه " يعني وأنجا من معه من المؤمنين به " في الفلك " وهي السفن ويقع على
الواحد والجمع بلفظ واحد ، وأصله الدور مشتق من قولهم : فلك ثدي
الجارية ، إذا استدار ، ومنه الفلكة والفلك من هذا ، لأنه يدور على الماء
كيف أداره صاحبه .
وقوله " وأغرقنا الذين كذبوا " والاغراق هو الغوص المتلف في الماء ،
وأصله الغوص في الشئ ، فمنه أغرق في النزع ، ولا تغرق في هذا الامر .
وقوله " إنهم كانوا قوما عمين " فيه بيان أنه إنما أغرقهم وأهلكهم ،
لأنهم كانوا عمين . والعمى الضلال عن طريق الهدى ، فهم كالعمي في أنهم
لا يبصرون طريق الرشد ، فهم عمي عن الحق .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 440
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٤٤٠