في هذه الآية حكاية عما قال آدم وحواء ( ع ) لما عاتبهما الله ووبخهما على
ارتكابهما ما نهاهما عنه ، واخبار عن اعترافهما على أنفسهما بأن قالا " ربنا
ظلمنا أنفسنا " ومعناه بخسناها الثواب بترك المندوب إليه . والظلم هو النقص .
وعلى مذهب من يقول إنهما فعلا صغيرة لابد ان يحمل قوله " ظلمنا
أنفسنا " على تنقيص الثواب ، لان عندهم ان الصغيرة أنقصت ثواب طاعاتهم ،
فكان ذلك ظلما للنفس ، فأما من يقول : ان الصغيرة تقع مكفرة من غير أن
تنقص من ثواب فاعلها شئ ، فلا يتصور معنى لقوله " ظلمنا أنفسنا " ولا
يثبت فيهما فائدة ، لأنهما لم يستحقا عقابا بلا خلاف .
وصفة ظالم مفارقة لقولنا : ظلمنا ، لان الظالم اسم ذم في أكثر التعارف ،
وظلم قد يستعمل في غير المستحق للعقاب والذم ، كما أن اسم ( مؤمن ) اسم
مدح لمستحق الثواب ، وآمن يؤمن بخلاف ذلك عند القائلين بالوعيد .
وقوله " وان لم تغفر لنا " معناه ان لم تستر علينا ، لان الغفر هو الستر
على ما بيناه فيما مضى ، وعلى مذهب من يقول : ان معصيتهم كانت صغيرة
وقعت مكفرة لا معنى لقوله " وان لم تغفر لنا " ، لان الغفران كائن لا محالة ،
ولا يحسن المؤاخذة به .
وقوله " لنكونن من الخاسرين " المعنى ان لم تتفضل علينا بنعمك التي
تتم بها ما فوتناه نفوسنا من الثواب بضروب تفضلك لنكونن من جملة من
خسر ، ولم يربح . والانسان يصح ان يظلم نفسه بأن يدخل عليها ضررا غير
مستحق ، ولا يدفع عنها ضررا أعظم ، ولا يجتلب منفعة توفي عليه . ولا يصح
أن يكون معاقبا لنفسه ، ويجوز ان يأمر الله تعالى المكلف ان يضر بنفسه ،
ولا يحسن ان يأمره ان يعاقب نفسه ، لان امر الحكيم يدل على الترغيب في
الشئ ، ولا يجوز أن يرغبه في عقابه ، كما لا يجوز ان يرغبه في ذمه ولعنه .
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 374
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٣٧٤