وقوله " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " معناه إنهم لو ردوا إلى حال
التكليف والى مثل ما كانوا عليه في الدنيا من المهلة والتمكين من الايمان
والتوبة والقدرة على ذلك ، لعادوا لمثل ما كانوا عليه من الكفر الذي نهوا عنه .
وقوله تعالى " وانهم لكاذبون " قد بينا ان المراد به الحكاية عن حالهم في الدنيا
وأنهم كانوا فيها كاذبين في كفرهم وتكذيبهم رسول الله والقرآن . وقال
البلخي هذا الكذب وقع منهم في الحال وان لم يعلموه كذبا ، لأنهم أخبروا عن
عزمهم أنهم لو ردوا لكانوا مؤمنين . وقد علم الله أنهم لو عادوا إلى الدنيا
لعادوا إلى كفرهم ، وكان إخبارهم بذلك كذبا ، وان لم يعلموه كذلك ، لان
مخبره على خلاف ما أخبروه وهذا الذي ذكروه ضعيف ، لأنهم إذا أخبروا عن
عزمهم على الايمان ان ردوا أو كانوا عازمين عليه لا يكونون كاذبين ، لان مخبر
خبرهم العزم ، وهو على ما أخبروا فكيف يكذبون فيه ، والأول أقوى .
فأما الكذب مع العلم بأنه ليس كذلك ، فلا خلاف بين أبي علي وأبي القاسم
أنه لا يجوز أن يقع منهم في الآخرة ، لان أهل الآخرة ملجؤون إلى ترك القبيح ،
لأنهم لو لم يكونوا ملجئين لوجب أن يكونوا مزجورين من القبيح بالأمر والنهي
والثواب والعقاب ، وذلك يوجب أن يكون ذاك التكليف ، ولا خلاف أنه ليس
هناك تكليف . وإن لم يزجروا ولم يلجؤا إلى تركه كانوا مغريين بالقبيح وذلك
فاسد . فإذا لا يجوز أن يقع منهم القبيح بحال .
وقال بعض المفسرين سئل النبي صلى الله عليه وآله فقيل له : ما بال أهل النار عملوا
في عمر قصير بعمل أهل النار فخلدوا في النار ؟ وأهل الجنة عملوا في عمر قصير
بعمل أهل الجنة فخلدوا في الجنة ؟ ! فقال : ( ان الفريقين كان كل واحد منهما
عازما على أنه لو عاش أبدا عمل بذلك ) .
قوله تعالى :
وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ( 29 )
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 112
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١١٢