تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبيان في تفسير القرآن — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
النزول ، والقصة ، والمعنى : وكان سبب نزول هذه الآية أن اليهود أنكروا تحليل النبي صلى الله عليه وآله لحوم الإبل ، فبين الله تعالى أنها كانت محللة ، لإبراهيم ، وولده إلى أن حرمها إسرائيل على نفسه ، وحاجهم بالتوراة ، فلم يجسروا على إحضار التوراة لعلمهم بصدق النبي صلى الله عليه وآله فيما أخبر أنه فيها . وكان إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نذر إن برأ من النساء أن يحرم أحب الطعام والشراب إليه وهو لحوم الإبل وألبانها ، فلما برأ وفى لله بنذره . وقال ابن عباس والحسن : إن إسرائيل أخذه وجع العرق الذي يقال له النساء ، فنذر إن شفاه الله يحرم العروق ولحم الإبل ( على نفسه ) ، وهو أحب الطعام إليه . فان قيل : كيف يجوز للانسان أن يحرم على نفسه شيئا ، وهو لا يعلم ماله فيه من المصلحة مما له فيه المفسدة ؟ قلنا : يجوز ذلك إذا أذن الله له في ذلك وأعلمه ، وكان الله أذن لإسرائيل في هذا النذر ، فلذلك نذر . وفي الناس من استدل بهذه الآية على أنه يجوز للنبي صلى الله عليه وآله أن يجتهد في الاحكام ، لأنه إذا كان أعلم ورأيه أفضل كان اجتهاده أحق وهذا الذي ذكروه إن جعل دليلا على أنه كان يجوز أن يتعبد النبي بالاجتهاد ، كان صحيحا " ، وإن جعل دليلا على أنه كان متعبدا به ، فليس فيه دليل عليه ، لأنا قد بينا أن إسرائيل ما حرم ذلك إلا بإذن الله ، فمن أين إن ذلك كان محرما له من طريق الاجتهاد ، فأما من امتنع من جواز تعبد النبي صلى الله عليه وآله بالاجتهاد ، بأن ذلك يؤدي إلى جواز مخالفة أمته له إذا اداهم الاجتهاد إلى خلاف اجتهاده فقد أبعد ، لأنه لا يمتنع أن يجتهد النبي صلى الله عليه وآله الاجتهاد إلى خلاف ما أدى اجتهاد الأمة إليه ، فوجب اتباعه ولا يلتفت إلى اجتهاد من يخالفه ، كما أن الأمة يجوز أن تجمع على حد عن اجتهاد ، وإن لم يجز مخالفتها فبطل قول الفريقين . قوله تعالى : " فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم