وقوله : " والى الله ترجع الأمور " لا يدل على أن الأمور ليست إليه
الان وفي كل وقت . ومعنى الآية الاعلام في أمر الحساب ، والثواب ، والعقاب أي
إليه ، فيعذب من يشاء ، ويرحم من يشاء ، فلا حاكم سواه . ويحتمل أن يكون
المراد : أنه لا أحد ممن يملك في دار الدنيا إلا ويزول ملكه ذلك اليوم .
وشبهت الأهوال بالظلل من الغمام ، كما قال : " موج كالظلل " ( 1 ) ومعنى
الآية : ما ينظرون - يعني المكذبين بآيات الله - محمدا وما جاء به من القرآن والآيات
إلا أن يأتيهم أمر الله وعذابه " في ظلل من الغمام والملائكة " ، فهل بمعنى ( ما ) ،
كما يقول القائل : هل يطالب بمثل هذا إلا متعنت أي ما يطالب . وينظرون - في
الآية - بمعنى ينتظرون . وقد يقال : أتى وجاء فيما لا يجوز عليه المجئ ، والذهاب ،
يقولون أتاني وعيد فلان ، وكلام فلان ، وكل ذلك لا يراد به الاتيان الحقيقي
قال الشاعر :
أتاني كلام من نصيب يقوله * وما خفت يا سلام أنك عائبي ( 2 )
وقال آخر :
أتاني نصرهم وهم بعيد * بلادهم بلاد الخيزران ( 3 )
فكأن المعنى في الآية : إن الناس في الدنيا يعتصم بعضهم ببعض ، ويفزع
بعضهم إلى بعض في الكفر والعصيان ، فإذا كان يوم القيامة انكشف الغطاء ، وأيقن
الشاك ، وأقر الجاحد ، وعلم الجاهل ، فلم يعصم أحد من الله أحدا ، ولم يكن له من
دون الله ناصر ، ولا من عذابه دافع ، وعلم الجميع أن الامر كله لله .
قوله تعالى :
سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل
نعمة الله من بعد ما جاءته فان الله شديد العقاب ( 211 ) آية واحدة .
هامش
( 1 ) سورة لقمان آية : 32 .
( 2 ) البيت في نوادر أبي زيد : 46 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 146 .
( 3 ) البيت للنابغة الجعدي اللسان ( خزر ) في المطبوعة ( بأرض ) بدل ( بلاد )