وقوله تعالى : " إنه لكم عدو مبين " عداواته للمؤمنين . وإبانة عداوته لنا
هو أن ينسها لمن يراه من الملائكة ، والجن ، ونحن وإن لم نشاهده ، فقد علمنا
معاداته لنا ، ودعاءه إيانا إلى المعاصي ، فجاز أن يسمى ذلك إبانة . وقال الجبائي :
أبان عداوته لادم والملائكة ( ع ) ، فكان بذلك مبينا لعداوته إيانا .
قوله تعالى :
فان زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله
عزيز حكيم ( 209 ) آية واحدة .
المعنى واللغة : :
أنزل الله تعالى هذه الآية ، وقد علم أنه سيزل الزالون من الناس ، فتقدم في
ذلك ، وأوعد فيه ، لكي تكون الحجة على خلقه . يقال : زل يزل زلا ، وزللا ،
ومزلا ، وزلولا . ومعنى الآية " فان زللتم " بمعنى تنحيتم عن القصد ، والشرائع ،
وتركتم ما أنتم عليه من الدين " من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز "
في نعمته " حكيم " في أمره ، لا تعجزونه ، وحكيم فيما شرع لكم من دينه ،
وفطركم عليه ، وفيما يفعل بكم من عقوبة على معاصيكم إياه بعد إقامة الحجة عليكم .
وذكر جماعة من أهل التأويل : أن " البينات " هم محمد صلى الله عليه وآله والقرآن ، ذهب إليه
السدي ، وابن جريج ، وغيرهما . وقيل : زل في الآية : مجاز تشبيها بمن زل عن
قصد الطريق ، وحقيقته : عصيتم الله فيما أمركم به أو نهاكم عنه . والأولى أن يكون
ذلك حقيقة بالعرف .
وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة : أن الله يريد القبيح ، لأنه لو
أراده لما صح وصفه بأنه حكيم . فان قيل : سواء زل العباد أو لم يزلوا ، وجب أن
يعلم أن الله عزيز حكيم فما معنى الشرط ؟ قيل ، لان معنى " عزيز " هو القادر الذي
لا يجوز عليه المنع من عقابكم " حكيم " في عقوبته إياكم ، فكأنه قال : فاعلموا أن
العقاب واقع بكم لا محالة ، لأنه عزيز لا يجوز أن يحول بينه وبين عقوبتكم حائل ،
التبيان في تفسير القرآن — صفحة 187
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١٨٧