الإجارة متعلقة بالمنفعة لا بالزمان ، ولم يتعذر استيفاؤها . فعلى هذا ، قال
الأصحاب : لا خيار للمستأجر ، كما لا خيار للمشتري إذا امتنع البائع من تسليم
المبيع مدة ثم سلمه . وشذ الغزالي فقال في الوسيط : له الخيار ، لتأخر حقه .
والمعروف ، ما سبق . ولو كانت الإجارة في الذمة ولم يسلم ما تستوفى المنفعة منه
حتى مضت مدة يمكن فيها تحصيل تلك المنفعة ، فلا فسخ ولا انفساخ بحال ، لأنه
دين تأخر إيفاؤه .
القسم الثالث : فوات المنفعة شرعا ، كفواتها حسا في اقتضاء الانفساخ ،
لتعذر الاستيفاء ، فإذا استؤجر لقلع سن وجعة ، أو يد متأكلة ، أو لاستيفاء قصاص
في نفس أو طرف ، فالإجارة صحيحة على الأصح كما سبق ، فإذا زال الوجع ، أو
عفي عن القصاص ، فقد أطلق الجمهور أن الإجارة تنفسخ ، وفيه كلامان .
أحدهما : أن المنفعة في هذه الإجارة مضبوطة بالعمل دون الزمان ، وهو غير مأيوس
منه ، لاحتمال عود الوجع ، فليكن زوال الوجع كغصب المستأجرة حتى يثبت خيار
الفسخ دون الانفساخ . والثاني : حكى الشيخ أبو محمد وجها أن الإجارة لا
تنفسخ ، بل يستعمل الأجير في قلع مسمار أو وتد ، ويراعى تداني العملين ، وهذا
ضعيف ، والقوي ما قيل أن الحكم بالانفساخ جواب على أن المستوفى به لا يبدل ،
فإن جوزناه ، أمره بقلع سن وجعة لغيره .
فصل إذا آجر الوقف البطن الأول ، ثم مات في أثناء المدة ، فوجهان .
أحدهما : تبقى الإجارة بحالها كما لو آجر ملكه فمات . وأصحهما : المنع ، لان
المنافع بعد موته لغيره ، ولا ولاية له عليه ، ولا نيابة ، ثم عبارة الجمهور بالانفساخ
وعدمه ، ففي وجه : ينفسخ . وفي وجه : لا ينفسخ ، واستبعدها الصيدلاني والامام
وطائفة ، لأن الانفساخ يشعر بسبق الانعقاد ، وجعلوا الخلاف في أنا هل نتبين
البطلان لأنا تبينا أنه تصرف في غير ملكه ؟ ثم إن أبقينا الإجارة ، فحصة المدة الباقية
من الأجرة تكون للبطن الثاني ، فإن أتلفها الأول ، فهي دين في تركته ، وليس كما لو
أجر ملكه ومات في المدة ، حيث تكون جميع الأجرة تركة تقضى منها ديونه وتنفذ
وصاياه ، لان التصرف ورد على خالص ملكه ، والباقي له بعد الإجارة رقبة مسلوبة
المنفعة في تلك المدة ، فتنتقل خلى الوارث كذلك . وإن قلنا : لا تبقى الإجارة ،