ثمّ نبّه على ما فيهم من النقصان الطبيعيّ المحتاج إلى التكميل المكتسب ووصف سائلهم بأنّ سؤاله خارج عمّا ينبغي لأنّ غرضه به الامتحان دون العلم ، ومجيبهم بالتكلَّف في جوابه لقلَّة علمه ، وأفضلهم رأيا بأنّه يكاد أن يردّه عن فضل رأيه ما يعرض له من أمر يرضى به أو يسخط له ويرجع عنه وإن كان يشاهد فيه المصلحة ، وأصلبهم عودا : أي أشدّهم في اللَّه وأقواهم في طاعته يؤثّر فيه اللحظة : أي ممّن ينظر إليه نظر الهيبة وتستحيله الكلمة الواحدة منه فتغيّره عن الحقّ . ويجوز أن يريد اللحظة والكلمة ممّن يستهويه للدنيا ولذّاتها . ثمّ أمرهم بتقوى اللَّه ونفّر عن تقبيح الأمل جذبا إلى التقوى بذكر كثرة من يؤمّل ما لا يبلغه ويبنى ما لا يسكنه ويجمع ما لابدّ من تركه مع احتمال أن يكون من باطل جمعه ومن حقّ منعه أهله فأصابه حراما وحمل ثقل وزره وقدم به على ربّه حزينا متحسّرا على ما فرّط في جنبه قد خسر الدنيا بموته والآخرة بتفريطه في اكتساب خيرها وذلك هو الخسران المبين .
326 - وقال عليه السّلام :
مِنَ الْعِصْمَةِ تَعَذُّرُ الْمَعَاصِي
أي من أسباب العصمة ، وذلك أنّ الإنسان يتعوّد بتركها حين لا يجدها حتّى يصير ذلك ملكة له وهى المراد بالعصمة .
327 - وقال عليه السّلام :
مَاءُ وَجْهِكَ جَامِدٌ يُقْطِرُهُ السُّؤَالُ - فَانْظُرْ عِنْدَ مَنْ تُقْطِرُهُ
استعار لفظ ماء الوجه للحياء ونوره على الوجه الَّذي يذهب من وجه السائل بسؤاله ، ورشّح بذكر الجمود والتقطير . ويحتمل أن يكون كناية عمّا يعرض من العرق عند خجل السائل بسؤاله واستحيائه . وغرض الكلمة وضع السؤال موضعه من أهل المروّة والبيوتات ، وروى : وجهك ماء جامد . فيكون استعارة للماء في الوجه
شرح نهج البلاغة — صفحة 411
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٤١١