أي كان في مظنّة أن يستطيل على غيره بما ناله . فأقام ما بالفعل مقام ما بالقوّة ويصدق بالفعل أيضا . لأنّ كلام الخطيب مطلق يصدق ولو بمرّة . والكلمة تجري مجرى المثل .
202 - وقال عليه السّلام :
فِي تَقَلُّبِ الأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ
أي تقلَّب أحوال الدنيا على المرء كرفعته بعد اتّضاعه وبالعكس ، وكنزول الشدائد به يفيد العلم التجربيّ بأحواله الباطنة من خير وشرّ وجلادة وضعف وفضيلة ورذيلة . ونحوه ما قيل : الولايات مضامير الرجال .
203 - وقال عليه السّلام :
حَسَدُ الصَّدِيقِ مِنْ سُقْمِ الْمَوَدَّةِ
المودّة الخالصة تستلزم أن يريد الإنسان لمن يودّه ما يريد لنفسه ويكره له ما يكره لها . والحسد ينافي ذلك لاستلزامه إرادة زوال الخير عن المحسود . فمودّة الحاسد إذن مدخولة غير صحيحة وهو المراد بسقمها .
204 - وقال عليه السّلام :
أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ
العقل من شأنه الَّذي ينبغي له أن يقاوم النفس الأمّارة ويكسرها ويصرفها بحسب آرائه الصالحة ، ومن شأن النفس مخادعة العقل وغروره بزينة الحياة الدنيا وقيناتها وإطماعه بها . فالعقول الضعيفة غير المؤيّدة من اللَّه أكثر ما تنخدع وتنصرع في حربها للنفوس الأمّارة إذا لا لها مطمع وهميّ من الدنيا . فاستعار لفظ المصارع للعقول ملاحظة لقهرها عن النفوس وانفعالها . فأشبهت في الذلَّة والانقياد لها وترك مقاومتها من أخذ مصرعه من الحرب ، وكذلك استعار لفظ البروق لما لاح من تصوّر المطموع فيه . وكثيرا ما تشبّه العلوم والخواطر الذهنيّة بالبروق للطفه وضيائه وسرعة حركته . وإنّما قال : تحت . لأنّ المصارع من شأنها أن تكون تحت .
شرح نهج البلاغة — صفحة 353
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٣٥٣