كأنّ كلَّا منهما يضرع للآخر .
وظاهر أنّ مصانعة الغير يستلزم طلب رضاه وذلك يمنع من إقامة حدود اللَّه وأمره في حقّه ، وكذلك المضارعة واتّباع المطامع من الغير فإنّهما يستلزمان ترك مواجهته بما يشقّ عليه من أوامر اللَّه وحدوده .
103 - وقال عليه السّلام : « وقد توفى سهل بن حنيف الأنصاري بالكوفة بعد مرجعه معه من صفين ، وكان من أحب الناس إليه :
لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ .
قال الرضى : ومعنى ذلك أن المحنة تغلظ عليه فتسرع المصائب إليه ولا يفعل ذلك إلا بالأتقياء الأبرار والمصطفين الأخيار ، وهذا مثل قوله :
مَنْ أَحَبَّنَا أَهْلَ الْبّيْت فَلْيَسْتَعِدَّ لِلْفَقْرِ جِلْبَابَاً .
« وقد يؤول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره » .
أقول : تهافت : سقط قطعة قطعة ، وذلك مبالغة في كثرة ما يلحقه ومحبّيه من المصائب والابتلاء .
وقوله : من أحبّنا فليستعدّ للفقر جلبابا : أي يهيّئ له ذلك . والجلباب مستعار لتوطين النفس على الفقر والصبر عليه ، ووجه الاستعارة كونهما ساترين للمستعدّ بهما من عوارض الفقر وظهوره في سوء الخلق وضيق الصدر والتحيّر الَّذي ربّما يؤدّي إلى الكفر كما يستر بالملحفة ، ولمّا كانت محبّتهم عليهم السّلام بصدق يستلزم متابعتهم والاقتداء بهم والاستشعار بشعارهم ومن شعائرهم الفقر ورفض الدنيا والصبر على ذلك وجب أن يكون كلّ محبّ لهم مستشعرا للفقر ومستعدّا له جلبابا من توطين النفس عليه والصبر . وقد ذكر ابن قتيبة هذا المعنى بعبارة أخرى فقال : من أحبّنا فليقصر على التعلَّل من الدنيا والتقنّع فيها . قال : وشبّه الصبر على الفقر بالجلباب لأنّه يستر الفقر كما يستر الجلباب
شرح نهج البلاغة — صفحة 298
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٢٩٨