شرح
مقتضى التعليل الوارد في الصحيح الثاني الحاكم على الأوّل أيضاً أنّ الملاك في جواز الأخذ من المساجد طروّ الضرورة ، وحيث إنّ عدم أخذ المتاع منه حرج وموجب للضرر نوعاً يجوز الأخذ ، ومقتضى ذلك : جواز الوضع فيه إذا أدّت الضرورة إلى ذلك وعدم جواز الأخذ منه إذا لم تكن ضرورة في ذلك .
والحاصل : أنّ الحكم دائر مدار الضرورة ، من غير فرق بين الوضع والأخذ ، وهو لا ينطبق على فتوى الأصحاب .
فإنّه يقال : التعليل بالضرورة ولزوم الحرج موجب لإخراج أكثر أفراد الدخول ، إذ الغالب عدم اقتضاء الضرورة لذلك ، من جهة سهولة إرجاع الأمر إلى الغير أو الغسل فوراً وأخذ الشيء منه بعد ذلك ، بل لا ضرورة في دخوله جنباً وإن لم يقدر على الغسل ولم يمكن الإيكال إلى الغير ، لأنّه فاقد الماء حينئذ مع اقتضاء الضرورة للدخول في المسجد ، فيتيمّم ويأخذ المتاع من المسجد ، فمفاد التعليل هو سهولة الأمر على المكلّفين وليست هي تعليلاً تامّاً يصحّ أن يكون الحكم مطلقاً دائراً مداره ، بل هو ملاك لرفع الحكم الّذي ليس ملاكه قويّاً ، فإن شئت فسمّه تعليلاً ناقصاً وإن شئت سمّه حكمةً للحكم ، فينطبق الدليل على فتوى الأصحاب .
إذا عرفت ذلك فنقول : في المسألة وجوه ثلاثة :
الأوّل : أن يكون موضوع الجواز هو أخذ الشيء من المسجد بما هو أخذ ، من غير أن يكون ناظراً إلى حكم الدخول جوازاً وحرمةً ، فالدخول على ما هو عليه من الحكم مع قطع النظر عن الحكم بجواز الأخذ ، فيجوز اجتيازاً ولا يجوز المكث ، فحينئذ يجوز الأخذ من المسجد بدون الدخول أو مع الدخول الاجتيازيّ ، وأمّا إذا دخل ومكث فيه فأخذ فعل حراماً من حيث الدخول والمكث لكن أخذه من المسجد جائز .
والحاصل : أنّ جميع الأحكام المتعلّقة بالموضوعات ليس له اقتضاء إلاّ من حيث الموضوع الخاصّ الّذي تعلّق به الحكم من دون أن يكون ناظراً إلى العناوين الأخرى الّتي قد تنطبق على العنوان الّذي فرض موضوعاً وقد تتخلّف عنه ، فكما أنّ جواز الأخذ من المسجد لا يقتضي ذلك من حيث كون المأخوذ غصباً ولا يحكم بجواز