« والفلتة - بفتح الفاء في المشهور - كلّ شيء فعل من غير رويّة . وروى سحنون عن أشهب أنه كان يقولها بضمّ الفاء ، وهو انفلات الشيء من الشيء ، قال : ولا يجوز الفتح ، لأن معناه : ما يندم عليه . ولم يكن بيعة أبي بكر ممّا يندم عليه . وعلى الرواية المشهورة ، فالمراد بها بغتةً وفجأةً ، لأنه لم ينتظر بها العوام ، وإنما ابتدرها الصّحابة من المهاجرين وعامّة الأنصار ، لعلمهم أنه ليس لأبي بكر منازع ولا يحتاج في أمره إلى نظر ولا مشاورة ، وإنما عوجل بها مخافة انتشار الأمر والشقاق حتى يطمع بها من ليس بموضع لها ، فلهذا كانت الفلتة التي وقى اللّه بها الشرّ المخوف . هكذا ذكره أحمد بن خالد في مسنده . حكى ذلك كلّه عيسى بن سهل في كتاب غريب ألفاظ البخاري » ( 1 ) . فالحمد للّه الذي أجرى على لسانهم الحق الذي طالما حاولوا كتمه ، فاضطربوا وتخبّطوا . . . فإن اللّفظة إن كانت بضمّ الفاء ، فهي دالةٌ على المعنى المقصود ، وهو « انفلات الشيء من الشيء » ، لأنّ الخلافة قد انفلتت - في عقيدة الزبير وعمّار وأمثالهما ، الذين قالوا الكلمة في منى - من يد أمير المؤمنين وخرجت عن محلّها الذي أراده اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وآله . وإن كانت بفتح اللاّم ، فدلالتها على المقصود أوضح وأتم ، لأنهم أرادوا بهذه الكلمة إظهار الندم على توانيهم وسكوتهم وخضوعهم للأمر الواقع ، فكانوا يتحيّنون الفرصة للاستدراك وإرجاع الأمر إلى محلّه والحق إلى صاحبه . ولا يخفى أن « أشهب » الذي نقل عنه الكلام المذكور في معنى « الفلتة » هو : « أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي ثم العامري ثم بني جعدة بن
شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة — صفحة 374
مساهمون: السيد علي الحسيني الميلاني
ص٣٧٤
هامش
( 1 ) التنقيح في شرح الصحيح 3 / 1217 .