تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشافي في الامامة — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
لا يشبه أن يكون أخرجه إلى الربذة باختياره ، وكيف يظن عاقل أن أبا ذر يحب أن يختار الربذة منزلا مع جدبها وقحطها وبعدها عن الخيرات ؟ ولم يكن بمنزل مثله . فأما قوله : ( إنه أشفق عليه من أن يناله بعض أهل المدينة بمكروه ، من حيث كان يغلظ له القول ) فليس بشئ يعول عليه لأنه لم يكن في أهل المدينة إلا من كان راضيا بقوله ، عاتبا بمثل عتبه ، إلا أنهم كانوا بين مجاهر بما في نفسه ، ومخف ما عنده ، وما في أهل المدينة إلا من رثى مما حدث على أبي ذر واستفظعه ، ومن رجع إلى كتب السير عرف ما ذكرناه . وأما قوله : ( إن عمر أخرج من المدينة نصر بن حجاج ) فما بعد ما بين الأمرين ، وما كنا نظن أن أحدا يسوي بين أبي ذر وهو وجه الصحابة وعينهم ، ومن أجمع المسلمون على توقيره وتعظيمه ، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدحه من صدق اللهجة بما لم يمدح به أحدا ، وبين نصر ابن الحجاج الحدث الذي كان خاف عمر من افتتان النساء به وبشبابه ، ولاحظ له في فضل ولا دين ، على أن عمر قد ذم بإخراجه نصر بن الحجاج من غير ذنب كان منه ، وإذا كان من أخرج نصر بن الحجاج مذموما ، فكيف بمن أخرج مثل أبي ذر رحمه الله تعالى ؟ ! فأما قوله : ( إن الله تعالى والرسول صلى الله عليه وآله ندبا إلى خفض الجناح ، ولين القول للمؤمن والكافر ، فهو كما قال ، إلا أن هذا أدب كان ينبغي أن يتأدب به عثمان في أبي ذر ، ولا يقابله بالتكذيب ، وقد قطع الرسول صلى الله عليه وآله على صدقه ، ولا يسمعه مكروه الكلام ، وإنما هو نصح له ، وأهدى إليه عيوبه ، وعاتبه على ما لو نزع عنه لكان خيرا له في الدنيا والآخرة ، وهذه جملة كافية .