أنهم لا يعدلون عن واجب ولا يخلون به وهيهات ( 1 ) أن يصح هذا .
فأما قوله : " ونظير ذلك أن نجد إنسانا يروي خبرا عن مجلس
حافل ، ومجمع عظيم ، فالمعلوم أنه متى كان كاذبا أنكر عليه من يحضر
ذلك المجلس ، وإذا لم ينكره علم صدقه في خبره ( 2 ) " فباطل لأنه غير ممتنع
أن يمسك أهل المجمع الذي ذكره عن كاذب يعرفون كذبه إذا كان هناك
غرض لهم ، أو كان في الامساك عن تكذيبه دفع ضرر عنهم ، أو جر نفع
إليهم ، لأنا نعلم أنه لو كان لأهل هذا المجمع ببعض الناس عناية ،
وكان شريكا لهم في أموالهم ، أو قريبا إليهم في نسبهم ، وكانوا قد أحسوا
من بعض السلاطين الظلمة يطمع في حاله وماله ( 3 ) ، وقام هذا المخبر
الكاذب بحضرة ذلك السلطان ، أو بحضرة من يبلغه من أصحابه ، فقال
وأهل المجمع حضور : هؤلاء يعلمون أن فلانا - وأشار إلى الذي ذكرناه -
أنه شريك للقوم ، أو هم على عناية شديدة به فقير لا حال له ولا مال ،
وأنه حضرهم في يوم كذا فسألهم ما يصلح به حاله ، ويلم به شعثه ( 4 ) ،
لكان جميع أهل المجمع يمسكون عن الرد عليه مع علمهم بكذبه ، بل ربما
صدقوه ، وشهدوا لفظا بمثل قوله ، ومن دفع هذا كان مكابرا لعقله ، على
أن ما ضربه من المثل غير مشبه لما نحن فيه ، ولو سلم له لأن خبر الاجماع
لم يدعيه الراوي على الصحابة ، ولا استشهدهم عليه ، لأنا قد بينا بطلان
هامش
( 1 ) هيهات : كلمة تبعيد وهي مبنية على الفتح وبعضهم يكسرها على كل حال .
( 2 ) المغني 17 / 192 .
( 3 ) الحال : التراب اللين الذي يقال له : السهلة ، والطين الأسود ويسمى اللبن
الذي عن كراع حالا ، والمال في الأصل : الذهب والفضة ثم أطلق على كل ما يقتنى
ويملك ، فعليه يكون الحال والمال كل ما يملك من نقد وغيره ، وفي حديث فدك قال أبو
بكر لفاطمة عليها السلام لما طالبته بها : " وهذه مالي لا تزوى عنك ولا تدخر دونك " .
( 4 ) الشعث - بالتحريك - إنشار الأمر .