غيرها ، وآحاد دون جماعة ، ولم يكن جميع الأصحاب ملازمين للنبي صلى
الله عليه وآله في كل أحواله ، بل قد كان يشهد منهم بعض ، ويغيب
آخر ، وليس يمتنع على هذا أن يخبرهم . هذا الخبر جماعة لا يكون مثلها
قاطعا للعذر في الحقيقة إذا أنعم النظر ( 1 ) في أمرهم فيعتقدوا صحة قولهم
بالشبهة الداخلة من بعض الوجوه التي قدمنا ذكرها ، ولا يكون لهم رد
خبرهم من حيث لم يشهده جميعهم لم ذكرناه آنفا من أن أكثر ما نقل من
الاخبار قد كان يحضره بعضهم ، ويغيب عنه سائرهم ، ولا يكون لهم
أيضا رده ، من حيث كان متضمنا ما يعم فرضه ، ولم يرد من جهة تقطع
العذر ، لأنهم قد اعتقدوا في الخبر - لقوة الشبهة - أنه قاطع للعذر وان لم
يكن كذلك ، فلم يبق إلا أن يقال : إن الغلط في الاستدلال لا يجوز
عليهم .
وهذا إن قيل عقلا عرفت صورة قائله ، وإن قيل سمعا فنحن في
الكلام على السمع المدعى ، وقبل تصحيحه لا يجب القطع على ذلك .
وقوله في كلامه : " ولم يخبر بذلك إلا واحد لا يعرفون صدقه ( 2 ) "
مضى الكلام على مثله ، لأنهم وإن لم يعرفوا صدقه معتقدون له .
وقوله : " لقد كان الواجب أن يردوه ، ويقفوا عند قوله " صحيح ،
غير أن الواجب يجوز أن لا يفعله من يجب عليه وكلامنا فيما يجوز أن
يفعلوه ، أو يخلوا به لا فيما يجب عليهم ، وليس يكون نتيجة تقديمه أن
الواجب أن يردوه ، ويقفوا عنده ، أنهم إذا أذعنوا له ولم ينكروه ، علم أنه
صحيح ، بل إنما تكون هذه النتيجة إذا تقدم مع أن الواجب أن يردوه
هامش
( 1 ) أنعم النظر : زاد فيه تمعنا .
( 2 ) المغني 17 / 191 .