الرسول صلى الله عليه وآله لم يكن جميع الأصحاب شاهدا له ، ( 1 ) فكيف يلزم
أن يكون كل ما لم تعرفه الجماعة وتسمعه باطلا ، يجب عليهم رده ،
وتكذيب راويه ( 2 ) وإذ لم تكن هذه حالهم لم يكن ما رتبه مثالا صحيحا
فيهم ، وكان المثال الصحيح أصحاب عالم واحد قد جرت عادته بأن يلقي
بعض مذاهبه إلى بعض ( 3 ) ، ويعول في وصول البعض الآخر إلى معرفته
على خبر البعض الذي ألقي إليه ، وإذا قدرت الحال هذا التقدير لم يجب
أن يكذب هؤلاء الأصحاب من أخبرهم عن العالم بمذهب لم يسمعوه
منه ، بل جائز أن يصدقوا هذا المخبر إذا غلب في ظنهم صدقه ، أو
اعتقدوا ذلك لبعض الشبه وإن كان على الحقيقة كاذبا .
وقوله : " فكيف يجوز أن يتمسكوا به بخبر واحد ( 4 ) " إنما يكون
حجاجا لمن قطع على أن خبر الاجماع لم يتصل بهم إلا من جهة الواحد
وهذا مما لم نقله ، ولا عولنا عليه ، بل قد مضى في كلامنا أنه جائز نأ
يكونوا تلقوه من جماعة لا يقطع بمثلها العذر واعتقدوا فيها بالشبهة أنها
تقطع العذر ، فإن كان ما ذكره قادحا في أن يكونوا عرفوه من جهة الواحد
فليس بقادح فيما ذكرناه ، اللهم إلا أن يقول : ولا يجوز أن يسمعوه أيضا
من جماعة إلا ويجب عنهم تكذيبها من غير نظير في حالها ، وهل يقطع
أمثالها العذر أم لا ؟ من حيث لو كان خبرها صحيحا لعرفه الكل ، ولما
اختص به جماعة دون جماعة ، وهذا إن قاله أبطل بما تقدم ، على أنه قد
مضى في كلامه عند حكايته عن أبي هاشم ذكر الأقسام التي عرفت منها
الصحابة صحة الخبر ، عطفا على قوله " إما أن يكونوا علموا ذلك لكذا ،
هامش
( 1 ) خ " الصحابة شاهدين " .
( 2 ) خ " رواته " .
( 3 ) خ " بعضهم " .
( 4 ) المغني 17 / 192 .