كان يخبره الخبر عن الرسول ( 1 ) ] فكيف يصح أن يجري مثل ذلك عادتهم
لما هم عليه من الديانة ، وشدة التحرز من الغلط فيها ومع ذلك يتمسكون
بالاجماع ، ويجعلونه من أصول الدين ، ويعتمدون عليه في الأحكام ،
ويقطعون عنده الاجتهاد والرأي لأجل خبر ذكروه غير صحيح عندهم
والعادة الظاهرة عنهم أن ما طريقة الخبر الذي لم تثبت ( 2 ) صحته قد كان
يقبله ، واحد ، ويرده آخر ، وإنما كانوا يطبقون ( 3 ) على الخبر ، والعمل به
إذا حملهم ذلك على العلم بصحة ذلك ( 4 ) " . فغير ممتنع في الصحابة أن
يتوقفوا في بعض الأخبار لضعف الشبهة فيه ، ويمضوا غيره ، ويعتقدوا
صحة لقوة الشبهة ، إما لأنهم أحسنوا الظن براويه ، وغلب على قلوبهم
من ثقته وأمانته ما دعاهم إلى اعتقاد صحة خبره ، أو لأن الخبر وافق منهم
اعتقادا متقدما لمعناه فاعتقدوا صحته من حيث طابق ما في نفوسهم ، أو
لأنهم وجدوه موافقا للآيات التي يتعلق بها في صحة الاجماع ، وكانوا
معتقدين فيها أنها دالة علي كون الاجماع حجة فصدقوا به من هذا الوجه ،
إلى غير ما ذكرناه من وجوه الشبه ، وطرقها ، وهي كثيرة .
وليس يجب إذا ردوا باطلا ، أو توقفوا في مشكوك في أن يفعلوا
ذلك في كل ما جرى هذا المجرى ، لأن المسارعة إلى قبول بعض الباطل
قد تقع من العقلاء وأهل الدين لقوة الشبهة ، وإن لم يجب أن يسارعوا إلى
التصديق بكل باطل وإن ضعفت شبهته .
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفين من " المغني " .
( 2 ) غ " لم تبد " .
( 3 ) خ يظهرون الإطباق ، خ ل .
( 4 ) المغني 17 / 190 .