الشهود بذلك ووصفها بين يدي قاضي القضاة ، قال قاضي القضاة لابن تيمية : ما
تقول : قال : لا إله إلا الله ، فأعاد عليه ، فأجاب عليه بمثل قوله ، فأمر الملك الناصر
بسجنه ، فسجن أعواما وصنف في السجن كتابا سماه ( البحر المحيط ) .
ثم إن أمه تعرضت للملك الناصر وشكت إليه ، فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل
ذلك ثانية ، وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر
الجامع ويذكرهم ، فكان من جملة كلامه أن قال : ( إن الله ينزل إلى سماء الدنيا
كنزولي هذا ) ونزل درجة درجة من درج المنبر ، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء
وأنكر ما تكلم به فقامت العامة إلى الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضربا كثيرا ( 1 ) .
وهذا النص من ابن بطوطة يحتاج إلى وقفة تأمل ، فإن قوله في عقله شئ يتبين
أن الرجل ليس بسليم من الناحية العقلية ، ولذا تصور أن الله كالإنسان وشبهه
بنفسه في نزوله من المنبر ، ووقوف العلماء في وجهه خير دليل على أنه ليس من
أتباع السلف الصالح ، كما يحاول هو أن يثبته لنفسه وإلا فكيف وقف ضد علماء
المالكية ؟ وكيف سجن بأمر من قاضي القضاة في مصر ؟ ، وأيضا كيف سكت ولم
يدلي بآرائه أمام الفقهاء لما أحضر وتذرع ب ( لا إله إلا الله ) مع أنه إذا كان لا إله
إلا الله دون تأويل هو حقيقة التوحيد كما أبانه بموقفه العملي ، فلا فرق إذن بين
التوحيد الذي يحاول أن يشرحه في رسائله ويحاول أن يحمل الناس عليه ، وبين ما
يردده المسلمون عامة من قول لا إله إلا الله من دون الاعتراف بأن الله جسم ، وأن
الله فوق العرش دون أن تثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق
ولوازمها ( 2 ) .
وفي هذا التأويل ردا لما ذهب إليه من نزول الله من العرش إلى السماء في كل
هامش
( 1 ) رحلة ابن بطوطة ، ص 95 - 96 طبع دار صادر 1384 ه .
( 2 ) العقيدة الحموية ، ص 428 - 44 .