فلا صفة ولا نعت فلا اسم ، فيكون مجردا عن ساير أحكام الأسماء .
واما الرسم ، فهو الخواص ، وهي صفات خاصّة بالشيء ، وحيث لا صفة مطلقا فلا صفة خاصّة ، فأول المقامات والاعتبارات العرفانيّة ، هو ذلك الإطلاق المسمى عند القوم تارة بغيب الغيوب ، وأخرى بالهويّة المطلقة ، ولا بحث عنه ولا إشارة اليه ، إذ لا تعيّن له عقلا ولا وهما ، وكل معلوم مشار اليه بالإشارة العقليّة ومتعيّن عقلا تعينا يقتضيه حال العاقل .
وأول ما يعتبر فيه من المعاني ، هي الوحدة الحقيقيّة الذاتيّة ، وهي التي لا يعتبر في مفهومها ما يعشر بتعدد الوجود والاثنينية أصلا ، حتى أن عدم اعتبار الكثرة غير معتبر في مفهومها ، لما فيه من الاشعار بمقابلتها للكثرة وبعبارة أخرى ، الوحدة الحقيقيّة هي التي لا تتوقّف على مقابلة كثرة ولا يعقل في مقابلها كثرة ، اى لا يتوقّف تحقّقها في نفسها ولا تصورها في العلم الصحيح المحقق ، على تصور مغاير أو ضد لها كالكثرة في التحقق أو العلم ، ولو كان متوقفا ، كانت الوحدة غير حقيقيّة هي عدديّة كما هي المتصورة في الأذهان المحجوبة .
وقول بعض الأكابر : « كون الواحد واحدا لنفسه فحسب ، من غير تعقّل ان الوحدة صفة له ، أو حكم هي كونه هو لنفسه هو . وليس بين غيب الهويّة وهذا التعين فرق غير نفس التعيّن » انتهى إشارة إلى تلك الوحدة الحقيقيّة الذاتيّة ، وهي منشأ كونه ، تعالى ، واحدا في صفاته وأفعاله . فالذات الإلهيّة بهذا الاعتبار لها الإحاطة العامّة التي لا يشذّ عنها شيء من المراتب ، ويستهلك فيها جميع المتقابلات من المتناقضات والمتضادات وغيرها ، لاشتمالها بالذات على جميع الوجودات ، واحدا أو كثيرا . فكما يشتمل على جميع اقسام الوحدة يشتمل على جميع انحاء الكثرة ، فهي الجامع بالذات بين سائر المتقابلات ، وبهذا الاعتبار يقال ، لا ضد ولا ندّ للحق وانه واحد بلا عدد ، اى لا بوحدة يضادها الكثرة ، وهي الأصل في العدد . ومما ذكر ، يظهر معنى كلام قطب دائرة الوجود سيد الموحدين زين العابدين « عليه السلام » في الصحيفة الشريفة : « الهى لك وحدانيّة العدد » فافهم فتدبّر .
فالذات من حيث اتصافها بتلك الوحدة الحقيقيّة تقتضي تعيّنا يسمى
رسالة النصوص — صفحة 109
مساهمون: أبي المعالي القونوي
ص١٠٩