ولكنّ المعروف ذكر الروح قبل السّر ، كما سنذكره انشاء الله . ومن الأودية يبتدى مراتب الإحسان والولاية والكمال ، فمراتب السلوك تنتهي إلى أول مراتب الإحسان وهو الأودية ، فالأودية ، الدرجة الأولى من الإحسان ، بالمعنى الأعم ، والدرجة الثانية منه الأحوال ، وهي عشرة :
المحبّة والغيرة والشوق والفلق والعطش والوجد والدهش والهيمان والبرق والذوق ، وهذه الأحوال تترقى سير السائر ، وينتقل من الحضرات النازلة الجزئيّة إلى الحضرات الرفيعة الكليّة ممّا اشتمل عليه اسم الظاهر الذي حكمه رؤية الوحدة الوجوديّة في عين الكثرة الظاهرة بالنفس حتى تزاد القوّة في السير في قسم الولايات التي هي أيضا عشرة :
الحظَّ والوقت والصفاء والسرور والسّر والنفس والغربة والغلبة والتمكَّن ، وهي أول الدرجة الثالثة من الإحسان بالمعنى الاخصّ ، وأول مراتب الولاية والكمال . وفي هذا المقام المشاهدة من دون كأنّ ، ولسانها :
« لست اعبد ربّا لم أره » كما أن في السابق وهو الأحوال المشاهدة مع تحقق الكاف ، ولسانها ، أن « تعبد الله كأنك تراه » وهي أوسط مراتب الإحسان بكلا الاعتبارين في الإحسان ، فيدخل السائر ، حينئذ في المرتبة الأولى من التمكَّن ، بحيث لا يتأثّر من التلوين الذي في ذلك المقام ، وهو ، اى التلوين التغيّر بغلبة بعض التجليات الأسمائيّة على البعض ، فان للتلوين ثلاث مراتب :
الأولى ، من حيث التجلَّى الظاهري الذي الكلام فيه ، وهو تعاقب ظهور الآثار الاسمائيّة على قلب السائر ، متنوّعة الأحكام ، متميّزة الأوصاف ، فيحجب السائر كل بخصوصيته عن حكم الآخر ، إلى أن يظهر جميعة الاسم الظاهر ، ويقيم السيّار في نقطة حاقّ وسطيّة التي يكون نسبة جميع الأسماء اليه على السّواء ، فتلك النقطة هي مقام التمكين ، لا يحجب صاحبها أحد .
والثانية ، من حيث التجلي الباطني كما في الظاهري كما سيأتي .
والثالثة ، مرتبة الجمع والبرزخيّة بين الظاهر والباطن ، فان احكام كل واحد منهما بخصوصيّتها ، يستلزم الاحتجاب عن احكام الآخر ، والسائر في البرزخ بينهما يتمكَّن من الجمع بينهما ، فلا يحجبه شأن عن شأن ، وهذا
رسالة النصوص — صفحة 97
مساهمون: أبي المعالي القونوي
ص٩٧