الامام لا يغسله إلا إمام مثله ، فمن يغسل أبا الحسن علي بن موسى ، وابنه محمد
بالمدينة من بلاد الحجاز ونحن ب ( طوس ) ؟
فإذا قال ذلك : فقل له : إنا نقول : ان الامام لا يجب أن يغسله إلا إمام مثله ،
فان تعدى متعد فغسل الامام لم تبطل إمامة الامام لتعدي غاسله ، ولا بطلت إمامة
الامام الذي بعده ، بأن غلب على غسله أبيه ، ولو ترك أبو الحسن علي بن موسى
الرضا ( ع ) بالمدينة لغسله ابنه محمد ظاهرا مكشوفا ، ولا يغسله الآن أيضا إلا هو من
حيث يخفى ، فإذا ارتفع الفسطاط فسوف تراني مدرجا في أكفاني ، فضعني على
نعشي ، واحملني ، فإذا أراد أن يحفر قبري ، فإنه سيجعل قبر أبيه هارون الرشيد قبلة
لقبري ، ولا يكون ذلك ابدا ، فإذا ضربت المعاول ينب عن الأرض ( 1 ) ولم يحفر لهم
منها شئ ، ولا مثل قلامة ظفر ، فإذا اجتهدوا في ذلك وصعب عليهم ، فقل لهم
عني : اني أمرتك أن تضرب معولا واحدا في قبلة قبر أبيه هارون الرشيد ، فإذا
ضربت تقذفه في الأرض إلى قبر محفور ، وضريح قائم ، فإذا انفرج القبر فلا تنزلني
حتى يفور من ضريحه الماء الأبيض فيملئ منه ذلك القبر . . . فإذا غار الماء
فأنزلني في ذلك القبر وألحدني في ذلك الضريح ( 2 ) .
وأمر الإمام ( عليه السلام ) هرثمة بحفظ ما قاله ، فاجابه هرثمة إلى ما أراد ،
وفي اليوم الثاني بعث المأمون خلف الامام ، فلما حضر عنده قام إليه فعانقه وقبل ما
بين عينيه واجلسه إلى جانبه ، واقبل عليه يحادثه ، وامر بعض غلمانه أن يأتيه بعنب
ورمان ، قال هرثمة : فلم أستطع الصبر وأصابتني رعدة .
وناول المأمون الامام العنقود من العنب ، وقال له :
" يا بن رسول الله ما رأيت عنبا أحسن من هذا ؟ . . . " .
" فرد عليه الامام :
" ربما كان عنبا حسنا منه في الجنة . . . " .
وطلب من الامام أن يتناول منه شيئا فامتنع ( عليه السلام ) منه ، فصاح
المأمون :
هامش
( 1 ) ينسب عن الأرض أي يمتنع ولا يؤثر فيها .
( 2 ) عيون أخبار الرضا 2 / 247 وقريب منه في نور الابصار ( ص 145 ) .