يقدمني الله قبلك ، فوالله إن الخلافة لشئ ما حدثت به نفسي ، ولقد كنت بالمدينة
أتردد في طرقها على دابتي ، وان أهلها وغيرهم يسألوني الحوائج فأقضيها لهم ،
فيصيرون كالأعمام لي وان كتبي لنافذة في الأمصار ، وما زدتني من نعمة هي على من
ربي " ( 1 ) .
لقد رفض الإمام ( عليه السلام ) رفضا تاما التدخل في أي شأن من شؤون
الدولة ، وذلك للتدليل على عدم شرعية دولة المأمون ، وانه انما دخل فيها عن كره
واجبار .
الامام يخبر بعدم دخوله بغداد :
وقال المأمون للإمام الرضا ( عليه السلام ) ندخل بغداد ، وعرض عليه ما يفعله
فيها ، فقال ( عليه السلام ) له : تدخل أنت بغداد ، وسمع بعض الشيعة هذا الكلام
ففزع لأنه يؤذن بعدم دخول الامام إلى بغداد ، واختلى بالامام ، وقال له : إني سمعت
شيئا غمني ، وذكر له ما قاله الامام ، فقال ( عليه السلام ) له :
" ما أنا وبغداد ، لا أرى بغداد ، ولا تراني . . . " ( 2 ) .
وكان ذلك من دلائل إمامته ، فإنه لم يفارق ( خراسان ) ، حتى اغتاله المأمون ،
ولم ير بغداد .
الامام والفضل بن سهل :
أما الفضل بن سهل ( 3 ) فهو أقوى شخصية في دولة المأمون ، ويتمتع
هامش
( 1 ) عيون أخبار الرضا 2 / 166 - 167 .
( 2 ) عيون أخبار الرضا 2 / 224 - 225 .
( 3 ) الفضل بن سهل السرخسي أسلم على يد المأمون سنة ( 190 ه ) وكان من أخبر الناس بعلم النجوم ،
وقد طلب المأمون من والدة الفضل أن ترسل إليه بما خلفه ابنها فأرسلت إليه صندوقا صغيرا مختوما
ففضه ، فإذا فيه درج ، وفي الدرج رقعة من حرير مكتوب فيها بخطه بعد البسملة هذا ما قضى
الفضل بن سهل على نفسه ، قضى انه يعيش 48 سنة ثم يقتل ما بين ماء ونار ، وقد عاش هذه المدة ،
ثم قتله غالب خال المأمون بسرخس ، ومن بديع ما قاله إبراهيم بن العباس الصولي في مدحه :
لفضل بن سهل يد * تقاصر عنها المثل
فنائلها للغني * وسطوتها للأجل
وباطنها للندى * وظاهرها للقبل
ويقول في مدحه أبو محمد عبد الله بن محمد :
لعمرك ما الاشراف في كل بلدة * وإن عظموا للفضل إلا صنائع
ترى عظماء الناس للفضل خشعا * إذا ما بدا والفضل لله خاشع
تواضع لما زاده الله رفعة * وكل جليل عنده متواضع
وأصيب الفضل بابن يقال له العباس فجزع عليه جزعا شديدا فدخل عليه إبراهيم نجل الإمام موسى
بن جعفر ( عليه السلام ) فعزاه وأنشده .
خير من العباس أجرك بعده * والله خير منك للعباس
فقال له الفضل صدقت ، وجاء ذلك في وفيات الأعيان 3 / 209 - 211 .