من خلق فرزق ، والهم فانطق وابتدع فشرع ، وعلا فارتفع ، وقدر فأحسن ، وصور
فأتقن ، واجنح فابلغ ، وانعم فاسبغ ، وأعطى فأجزل ، يا من سما في العز ففات
خواطف الابصار ، ودنا في اللطف فجاز هواجس الأفكار .
يا من تفرد بالملك فلا ندله في ملكوت سلطانه ، وتوحد بالكبرياء فلا ضد له في
جبروت شأنه ، يا من حارت في كبرياء هيبته دقائق لطائف الأوهام ، وحسرت دون
ادراك عظمته خطايف أبصار الأنام ، يا عالم خطرات قلوب العارفين وشاهد لحظات
أبصار الناظرين ، يا من عنت الوجوه لهيبته وخضعت الرقاب لجلالته ، ووجلت
القلوب من خيفته ، وارتعدت الفرايض من فرقه ، يا بدئ يا بديع ، يا قوي يا منيع ،
يا علي ، يا رفيع ، صلى على من شرفت الصلاة بالصلاة عليه ، وانتقم لي ممن ظلمني ،
واستخف بي ، وطرد الشيعة عن بابي وأذقه مرارة الذل والهوان كما أذاقنيها ، واجعله
طريد الأرجاس وشريد الأنجاس . . . " ( 1 ) .
واستجاب الله دعاء الإمام ( عليه السلام ) فقد ثارت الغوغاء على المأمون حتى
كادت أن تقضى عليه ولاقى من الرعب والهوان ما لا يوصف .
وقام المأمون مرة أخرى بطرد الشيعة ، وحاول النكاية بالامام فلما علم
( عليه السلام ) بذلك قام فاغتسل وصلى ركعتين ودعا في قنوته بهذا الدعاء :
" اللهم أنت الله الحي ، القيوم ، الخالق ، الرازق ، المحي المميت ، البدئ ،
البديع ، لك الكرم ، ولك الحمد ، ولك المن ، ولك الامر ، وحدك لا شريك لك ، يا
واحد ، يا أحد يا فرد ، يا صمد ، يا من لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد صل
على محمد وآل محمد . . . " .
ثم دعا الله بصرف ما أهمه ، فكشف عنه كيد المأمون وبغيه ( 2 ) .
عدم محاباة الامام للمأمون :
ولم يجار الإمام ( عليه السلام ) المأمون ، ولم يصانعه ، وانما وقف منه موقفا يتسم
بالجد والصراحة ، والنقد اللاذع لبعض أعماله وكان المأمون يتميز غيظا ، ويكتم
ذلك ، مجاراة للإمام ( عليه السلام ) وكان من بين مواقفه مع المأمون ما يلي :
هامش
( 1 ) عيون أخبار الرضا 2 / 172 - 173 .
( 2 ) هامش المصباح ( ص 293 ) .