وكانت الانباء تتوافد عليه بهزيمة جيشه ، ومحاصرة قصره فلم يعن بذلك كله ،
وكان مشغولا مع كوثر في صيد الأسماك التي جعلها في حوض كبير له ، وكان يقول :
" يصطاد كوثر ثلاث سمكات وما صدت الا سمكتين " .
وكان بهذه الحالة المزرية مشغولا بلهوه حتى هجمت عليه طلائع جيش المأمون
فأجهزت عليه ، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين فنصبه على رمح ، وتلا قوله تعالى :
اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء " ( 1 ) .
وهجاه بعض الشعراء بقوله :
إذا غدا ملك باللهو مشتغلا * فاحكم على ملكه بالويل والخرب
أما ترى الشمس في الميزان هابطة * لما غدا وهو برج اللهو والطرب ( 2 )
وبعث طاهر برأس الأمين إلى المأمون في ( خراسان ) فلما رآه حزن وتأسف فقال
له الفضل :
" الحمد الله على هذه النعمة الجليلة فان محمدا كان يتمنى أن يراك بحيث
رأيته " .
وأمر المأمون بنصب رأس أخيه في صحن الدار وقد وضع على خشبة ، وأعطى
الجند ، وأمر كل من قبض رزقة أن يلعنه فكان الجندي يقبض رزقه ويلعن الرأس
وقبض بعض العجم عطاءه فقيل له : العن هذا الرأس فقال : لعن الله هذا ولعن
والديه وأدخلهم في كذا وكذا من أمهاتهم ، فقيل له : لعنت أمير المؤمنين ، وكان
المأمون يسمعه فتغافل عنه ، وأمر بحط رأس أخيه ورده إلى العراق فدفن مع جثته ( 3 ) .
وانتهت بذلك حياة الأمين ، وقد حكت عن قساوة المأمون وعدم رأفته على أخيه ، فقد
سلب الرحمة من نفسه ، وما ذاك إلا لحرصه على الملك .
ولم تظهر لنا أية بوادر للإمام الرضا ( عليه السلام ) في عهد الأمين ، لعل
السبب في ذلك هو انشغاله في الحرب مع أخيه فقد أشغلته هذه الحرب عن التعرض
للإمام ( عليه السلام ) بأي مكروه .
هامش
( 1 ) عيون التواريخ 3 / ورقة 211 .
( 2 ) حياة الحيوان للدميري 1 / 78 .
( 3 ) مروج الذهب ( ص 225 - 226 ) .