من ذا أصابك يا بغداد بالعين * ألم تكوني زمانا قرة العين
ألم يكن فيك قوم كان قربهم * وكان مسكنهم زينا من الزين
صاح الزمان بهم بالبين فانقرضوا * ماذا لقيت بهم من لوعة البين ( 1 )
ورثى شاعر آخر بغداد وما حل بأهلها من الخطوب والنكبات يقول :
بكت عيني على بغداد لما * فقدت غضارة العيش الأنيق
تبدلنا هموما من سرور * ومن سعة تبدلنا بضيق
أصابتنا من الحساد عين * فأفنت أهلنا بالمنجنيق
فقوم أحرقوا بالنار قسرا * ونائحة تنوح على غريق
وصائحة تنادي يا صحابي * وقائلة تقول أيا شقيقي
وحوراء المدامع ذات دل * مضمخة المجاسد بالخلوق
تنادي بالشفيق فلا شفيق * وقد فقد الشفيق مع الرقيق
وقوم أخرجوا من ظل دنيا * متاعهم يباع بكل سوق
ومغترب بعيد الدار ملقى * بلا رأس بقارعة الطريق
توسط من قتالهم جميعا * فما يدرون من أي الفريق
فلا ولد يقيم على أبيه * وقد هرب الصديق عن الصديق ( 2 )
وحكت هذه القصيدة الحالة الراهنة في بغداد من انتشار القتل ، وفقدان
الامن ، وشيوع الخوف في جميع ارجاء بغداد .
قتل الأمين :
وكان الأمين في تلك المحنة الحازبة مشغولا بلهوه وطربه ، وقد أحاطت به
جيوش المأمون ، ويروي المؤرخون أنه كان يصطاد سمكا مع جماعة من الخدم وكان
من بينهم ( كوثر ) وكان مغرما به فخرج ينظر إلى الجيش المحيط بالقصر فاصابته شجة
في وجهه فجعل يبكي ، فوجه الأمين من جاء به فجعل يمسح الدم من وجهه وهو
يقول :
ضربوا قرة عيني ومن أجلي ضربوه * أخذ الله من قلبي لأناس حرقوه ( 3 )
هامش
( 1 ) مروج الذهب 3 / 316 .
( 2 ) مروج الذهب 3 / 317 .
( 3 ) روضة الأعيان في اخبار مشاهير الزمان مصور في مكتبة السيد الحكيم تسلسل 3902 ورقة 103 .