حاصرت بغداد ، وأيقن الأمين بالهزيمة فكتب إلى طاهر يطلب منه الأمان لنفسه
وعائلته ، وأنصاره ، وانه يستقيل من الخلافة لأخيه ، فقال طاهر :
" الآن ضيق خناقه ، وهيض جناحه ، وانهزم فساقه ، لا والذي نفسي بيده حتى
يضع يده في يدي ، وينزل على حكمي " .
ولم يجبه إلى شئ مما أراد .
ودام الحصار على بغداد مدة طويلة حتى تخربت فيها معالم الحضارة ، وعم الفقر
والبؤس جميع سكانها وكثر العابثون والشذاذ فقاموا باغتيال الأبرياء ونهب الأموال ،
ومطاردة النساء ، وانبرى جماعة من خيار الناس بقيادة رجل يقال له سهل بن سلامة
فمنعوا العابثين من ايذاء الناس ، وتصدوا لهم بقوة السلاح حتى أخرجوهم من
بغداد .
وعلى أي حال فقد منيت بغداد بأفدح الخسائر ، وفقدت زينتها وشبابها ، وشاع
الثكل والحزن والحداد في جميع أنحائها ، وقد رثاها جماعة من الشعراء يقول الأعمى
في قصيدة له :
وابكي لاحراق وهدم منازل * وقتل وانهاب اللهى والذخائر
وابراز ربات الخدور حواسرا * خرجن بلا خمر ولا بمآزر
تراها حيارى ليس تعرف مذهبا * نوافر كأمثال الظباء النوافر
كأن لم تكن بغداد أحسن منظرا * وملهى رأته عين لاه وناظر
بلى هكذا كانت فاذهب حسنها * وبدد منها الشمل حكم المقادر
وحل بهم ما حل بالناس قبلهم * فأضحوا أحاديثا لباد وحاضر
أبغداد يا دار الملوك ومجتنى * صفوف المنى يا مستقر المنابر
ويا جنة الدنيا ويا مطلب الغنى * ومستنبط الأموال عند المتاجر
أبيني لنا أين الذين عهدتهم * يحلون في روض من العيش ناضر
وأين الملوك في المواكب تغتدي * تشبه حسنا بالنجوم الزواهر
والقصيدة كلها توجع والم على ما حل ببغداد من الدمار الشامل في الأموال
والأنفس ، ويصف شاعر آخر حالة بغداد ، وما حل بها من الخراب يقول :
هامش
( 1 ) مروج الذهب 3 / 313 .